

كشفت مصادر دبلوماسية عن مضمون الورقة المحدثة التي تقدمت بها الولايات المتحدة الأمريكية لإقرار السلام في السودان، إلى جانب تفاصيل الرد الحكومي الرسمي المكتوب الذي تضمن اشتراطات أمنية وسياسية صارمة، وجدولاً زمنياً مفصلاً لتجميع القوات المتمردة.
وأوضحت المصادر أن الخطة الأمريكية، التي صاغها مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية والعربية مسعد بولس، تهدف إلى إعلان هدنة إنسانية شاملة وفورية على مستوى البلاد لمدة 90 يوماً، بهدف تيسير إيصال المساعدات الإغاثية، وحماية المدنيين والمرافق والخدمات العامة، على أن تُستثمر هذه الفترة للتفاوض من أجل التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار والشروع في عملية انتقال سياسي تقودها سلطة مدنية وصولاً إلى الانتخابات.
تفاصيل المبادرة والترتيبات الأمنية
وتقترح المبادرة الأمريكية إنشاء آلية دولية تابعة للأمم المتحدة، بمشاركة مباشرة من الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، تضطلع بمهام دعم عمليات انسحاب عسكرية محدودة لتهيئة الظروف لعودة النازحين، ونشر مراقبين دوليين للتحقق من الالتزام بحماية المدنيين ووقف إطلاق النار، مع التأكيد على احترام سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه، وإنهاء كافة أشكال الدعم العسكري الخارجي ومنع التدفقات غير المشروعة للأسلحة والمرتزقة الأجانب.
وفي شقها الأمني والسياسي، تدعو الورقة الأمريكية إلى التفاوض على ترتيبات أمنية نهائية تشمل إعطاء الأولية لإعادة انتشار القوات في ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان، وتنفيذ برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، وتجميع القوات في معسكرات محددة، وصولاً إلى الحفاظ على جيش وطني موحد يخضع للمساءلة أمام حكومة مدنية مستقلة ومنتخبة، على أن تضمن العملية السياسية خلو مؤسسات الدولة والحوار الوطني من الجماعات المتطرفة العنيفة والمليشيات والأفراد الذين ارتكبوا فظائع.
الرد السوداني: مراحل خطة الانسحاب
وفي مقابل ذلك، جاء الرد الحكومي السوداني الرسمي ليؤكد الموافقة على معظم البنود السياسية والإنسانية العامة، لكنه اعترض بشكل قاطع على مسألة "الانسحاب المحدود"، مشدداً على أن أي هدنة على الأرض يجب أن ترتبط بجدول زمني حاسم يقضي بالانسحاب الكامل لقوات الدعم السريع من كافة المدن والمناطق السكنية والمرافق التي سيطرت عليها منذ الحادي عشر من أيار عام 2023، وهو التاريخ المحدد لتوقيع الطرفين على "إعلان جدة" برعاية أمريكية سعودية.
وفصّل الرد الحكومي السوداني خطة أمنية متكاملة لانسحاب المليشيا وتجميعها عبر ثلاث مراحل زمنية متتابعة، تتوافق مع مدة الهدنة المقترحة:
المرحلة الأولى (30 يوماً): تشمل الانسحاب الكامل لقوات الدعم السريع من إقليم النيل الأزرق، وولايات شمال كردفان، وشمال ووسط وغرب دارفور.
المرحلة الثانية (30 يوماً): تبدأ فور اكتمال الفترة الأولى، وتتضمن انسحاب تلك القوات من مدن ولايتي غرب كردفان وجنوب دارفور.
المرحلة الثالثة (30 يوماً): تبدأ عقب تنفيذ المرحلة الثانية، وتشمل الانسحاب من ولايتي شرق وجنوب كردفان، مع تحديد موقع التجميع النهائي الشامل لتلك القوات في منطقة "كاودا" (معقل الحركة الشعبية- شمال بقيادة عبد العزيز الحلو).
وشدد رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان على مضي المؤسسة العسكرية قدماً في العمليات الميدانية حتى القضاء التام على التمرد وتطهير كامل تراب الوطن.
وقال الفريق أول البرهان في كلمة في مدينة أم درمان: "إن رسالتنا للمتمردين في الداخل والخارج هي أن السودان قادر بعزيمة أبنائه على الانتصار في معركة الكرامة، ولن نخذل الشعب أبداً، ولن نسلم هذه الدولة إلا وفق تراضٍ وطني شامل بين السودانيين جميعاً".
الجيش السوداني يسيطر على منطقتي ديم سعد ويارا
بسط الجيش السوداني سيطرته الكاملة على منطقتي "ديم سعد" و"يارا" الإستراتيجيتين في ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد، بعد إحباطه هجوماً واسع النطاق شنته قوات الدعم السريع والحركة الشعبية المتحالفة معها، وجاء هذا التقدم الميداني الجديد عقب استعادة الجيش لمدينة "الكرمك" الإستراتيجية بعد معارك ضارية.
وأكدت مصادر عسكرية، أن القوات المسلحة السودانية صدت الهجوم بنجاح، وكبّدت القوى المهاجمة خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، بالإضافة إلى مصادرة كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر الفردية والنوعية والمركبات القتالية التابعة للمليشيا المتمردة.
وتكتسب منطقة "ديم سعد" الواقعة في محلية قيسان أهمية عسكرية فائقة، لكونها تمثل الرابط الجغرافي المباشر لولاية النيل الأزرق بالحدود الإثيوبية، كما أنها أول نقطة جغرافية يمر بها النيل الأزرق عند دخوله الأراضي السودانية، في حين تُعد منطقة "يارا" ومدينة "الكرمك" معابر رئيسية وبوابات حيوية للتحركات اللوجستية نحو دول الجوار.

