
غادر نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس العاصمة الباكستانية إسلام آباد معلنا انتهاء جولة المفاوضات المباشرة مع إيران دون التوصل إلى أي اتفاق، بعد محادثات ماراثونية امتدت لأكثر من 21 ساعة.
وقال دي فانس إن هذا سيء للإيرانيين أكثر من كونه سيئا للأمريكيين، مشيرا إلى إن الإيرانيين رفضوا الالتزام بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي، وأكد أن ذلك مطلب رئيسي للرئيس دونالد ترامب.
وأضاف، أنه تواصل مع ترامب ستة مرات خلال المفاوضات وكذلك مع وزير الحرب وقائد القيادة الوسطى ونواب في الكونغرس، مشيدا بالجهود التي بذلها الباكستانيون لتقريب وجهات النظر.
وأردف قائلا، "لقد جئنا للتفاوض بحسن نية لكننا لم نتمكن من التوصل لاتفاق يقبل به الجانبان"، مبينا أنه "تم تدمير المنشآت النووية الإيرانية لكن الطرف الإيراني لم يتعهد بوقف برنامجه النووي"، معتبرا أن الولايات المتحدة "قدمت أفضل ما يمكن تقديمه للإيرانيين في هذه المفاوضات".
ولم يشر فانس في مؤتمره الصحفي الموجز إلى إعادة فتح مضيق هرمز، وهو ممر ضيق يمر عبره حوالي 20 بالمئة من إمدادات الطاقة العالمية، والذي أغلقت إيران الممر منذ بدء الحرب، وتسبب الصراع في ارتفاع أسعار النفط العالمية ومقتل الآلاف من الأشخاص.
موقف طهران: تفاهمات جزئية وخلافات جوهرية
في المقابل، أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية أن المفاوضات شهدت تقدما في بعض البنود، لكنها تعثرت بسبب ثلاث قضايا رئيسية لم يتم الكشف عنها بالكامل.
وأكدت الخارجية الإيرانية أن أجواء “عدم الثقة وسوء الظن” كانت حاضرة بقوة، لكنها شددت على أن “طريق الدبلوماسية لم يُغلق”، وأن طهران لم تكن تتوقع التوصل لاتفاق خلال جولة واحدة.
وأشارت إلى أن الوفد الإيراني بحث “البنود العشرة” التي قدمتها طهران، إضافة إلى نقاط الجانب الأمريكي، مؤكدة أن الخلافات لا تزال قائمة حول ملفات حساسة تتعلق بالبرنامج النووي، ورفع العقوبات، وترتيبات أمنية إقليمية.
نفي أمريكي للإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة
وبالتزامن مع المفاوضات، نفى البيت الأبيض صحة تقارير تحدثت عن موافقة واشنطن على الإفراج عن أصول إيرانية مجمدة في قطر وبنوك أجنبية أخرى، وجاء النفي ردا على تصريحات نقلتها وسائل إعلام عن مصدر إيراني رفيع المستوى قال إن الولايات المتحدة "وافقت على الإفراج عن هذه الأموال".
ويعكس هذا التباين في التصريحات حجم التعقيد الذي يحيط بالمفاوضات، خصوصا أن الملف المالي يُعد أحد أبرز مطالب طهران في أي مسار تفاوضي.
أعلى مستوى اتصال مباشر منذ 1979
تكتسب محادثات إسلام آباد أهمية خاصة كونها تمثل أعلى مستوى من الاتصال المباشر بين البلدين منذ الثورة الإسلامية عام 1979، حيث ترأس الوفد الإيراني رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف بمشاركة وزير الخارجية عباس عراقجي ومسؤولين أمنيين واقتصاديين بارزين، فيما ضم الوفد الأمريكي جاريد كوشنر والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف إلى جانب نائب الرئيس الأمريكي.
أما الجانب الباكستاني، فشارك فيه رئيس الوزراء شهباز شريف ووزير الخارجية إسحاق دار وقائد الجيش الجنرال عاصم منير، في دور وساطة يعكس تحولا في موقع باكستان الدبلوماسي بعد سنوات من العزلة.
توتر إقليمي متصاعد
تأتي هذه التطورات في ظل توتر إقليمي غير مسبوق، خصوصا مع استمرار إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية. وقال الجيش الأمريكي إنه بدأ “تهيئة الظروف” لبدء عمليات تطهير الممر البحري، بينما نفت وسائل الإعلام الإيرانية مرور أي سفن أمريكية عبر المضيق.
وقبيل بدء المفاوضات ذكر التلفزيون الرسمي الإيراني ومسؤولون إيرانيون أن مطالب طهران تتضمن الإفراج عن الأصول في الخارج والسيطرة على مضيق هرمز ودفع تعويضات عن خسائر الحرب ووقف إطلاق النار في جميع أنحاء المنطقة بما في ذلك لبنان إضافة إلى تحصيل رسوم مرور عبر مضيق هرمز.
أما الأهداف المعلنة لترامب فقد تغيرت أكثر مم مرة لكنه يريد على الأقل حرية مرور السفن العالمية عبر المضيق وفرض قيود على برنامج إيران لتخصيب اليورانيوم لضمان عدم قدرتها على إنتاج قنبلة ذرية.
أجواء تفاوضية متقلبة… وغياب الثقة يهيمن
ونقلت مصادر باكستانية أن أجواء المفاوضات شهدت “تقلبات في المزاج” بين التصعيد والهدوء، في ظل مستوى مرتفع من انعدام الثقة بين الجانبين. ووصل الوفد الإيراني مرتديا ملابس سوداء حدادا على ضحايا الصراع، فيما حمل بعض أعضائه أحذية وحقائب تلميذات قُتلن في قصف أمريكي قرب مجمع عسكري.
وتشير هذه الرمزية إلى محاولة طهران إبراز كلفة الحرب الإنسانية، في مقابل إصرار واشنطن على التركيز على الملف النووي وحرية الملاحة.
مغادرة أمريكية… واستمرار تبادل الوثائق
ورغم إعلان فانس مغادرة الوفد الأمريكي دون اتفاق، قالت الحكومة الإيرانية إن الخبراء الفنيين من الجانبين سيواصلون تبادل الوثائق، ما يشير إلى احتمال بقاء قنوات الاتصال مفتوحة، ولو على مستوى تقني محدود.
لكن غياب الثقة واتساع فجوة المطالب وتداخل الملفات الإقليمية تجعل فرص استئناف المفاوضات في المدى القريب رهنا بتطورات ميدانية وسياسية قد تعيد ترتيب أولويات الطرفين وقبل بدء المحادثات.

