

كتبت الأقدار عمراً جديداً لعائلة سورية مغتربة في فنزويلا، بعدما أنقذتها صدفة غير متوقعة من موت محقق تحت ركام المبنى السكني الذي تقطنه في منطقة "لا غوايرا"، إثر الزلزالين العنيفين اللذين ضربا الساحل الشمالي للبلاد بقوة 7.2 و7.5 درجة.
وجاءت هذه المعجزة الإنسانية في وقت يتسابق فيه آلاف المسعفين الدوليين والمحليين مع الزمن لانتشال العالقين، وسط مخاوف حقيقية من نفاد الوقت وتضاؤل فرص العثور على ناجين آخرين تحت الأبنية المتهاوية التي خلفت حصيلة ثقيلة من القتلى والمفقودين.
تفاصيل المعجزة السورية
روى المواطن السوري الناجي، عاصم الحناوي، في تصريحات حصرية لموقع "سكاي نيوز عربية"، تفاصيل اللحظات المرعبة التي عاشها مع أسرته، موضحاً أنهم في العادة لا يتواجدون في منزلهم في مثل هذا الوقت، إلا أن شغفهم بمتابعة مباراة كرة قدم دفعهم للعودة إلى البيت باكراً على غير العادة، ليبدأ الزلزال بعيد وصولهم بلحظات قليلة.
ووصف الحناوي عائلته بأنهم "عائدون من الموت"؛ إذ بدأ البناء المكون من ثمانية طوابق يتحرك يميناً ويساراً بشكل مخيف قبل أن ينهار بالكامل.
وأضاف الحناوي: أنه كان يتواجد مع ابنته في جزء من الطابق السابع الذي هبط بالكامل نحو الأسفل تحت وطأة الانهيار، بينما علقت زوجته في الجزء الآخر الذي لم يتهدم كلياً، فكانوا يتواصلون بالصراخ العالي للاطمئنان على بعضهم.
ومع تساقط الجدران، عانقته ابنته وهوى بهما الركام الإسمنتي ليصبحا عاجزين عن تحريك حتى أصابعهما، في حين عانت الطفلة من ضيق حاد في التنفس نتيجة الضغط الرهيب على عنقها.
وذكر الحناوي أنهم قضوا 6 ساعات كاملة تحت الأنقاض، قبل أن تتدخل الصدفة مجدداً عبر فتحة في ركام الطابق الثامن، مكنت السكان من سماع استغاثتهم وإنقاذهم بمجهودات فردية نظراً لتأخر وصول المعدات الثقيلة.
كارثة "لا غوايرا"
أكدت التقارير الميدانية والتلفزيون الفنزويلي الرسمي أن منطقة "لا غوايرا" شمال العاصمة كراكاس، ومدينة "كاتيا لا مار" الساحلية، هما البؤرتان الأكثر تضرراً من الكارثة الطبيعية؛ حيث تسبب الهبوط الأرضي في انهيار مأساوي لعشرات المجمعات السكنية الشبيهة بمبنى العائلة السورية، فضلاً عن تعرض مطار "مايكيتيا" الدولي لأضرار جسيمة أجبرت السلطات على إغلاقه وتجميد الملاحة الجوية فيه.
ونتيجة لخطورة الوضع الأمني وتفشي الدمار، أعلنت الحكومة الفنزويلية تحويل لا غوايرا إلى منطقة منكوبة، وفرضت عليها سيطرة عسكرية كاملة مع تقييد حركة الدخول إليها؛ بهدف حماية ممتلكات المواطنين وتأمين عمليات الإغاثة ومكافحة أعمال النهب المحتملة.
استنفار دولي واسع
أعلن ينس لاركي، المتحدث باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، عن نشر ما مجموعه 25 فريقاً دولياً وطبياً تضم نحو ألف عنصر متخصص في الإغاثة الحضرية وطوارئ الكوارث. وتدفقت على فنزويلا أطقم ومعدات من 17 دولة على الأقل، من بينها الولايات المتحدة التي قدمت مساعدات بقيمة 150 مليون دولار وسخرت مروحيات وسفناً عسكرية لدعم العمليات، إلى جانب فرق تخصصية من سويسرا، والمكسيك، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وإسبانيا، ومشاركة عربية بارزة من قطر والأردن.
تأتي قصة نجاة العائلة السورية كبقعة ضوء وسط قتامة أحد أعنف الزلازل في تاريخ فنزويلا الحديث؛ حيث أفادت البيانات الرسمية بارتفاع عدد الضحايا إلى 920 قتيلاً، مع وجود أكثر من 50 ألف شخص في عداد المفقودين وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة. وما يزال الخطر محدقاً بالبلاد بعدما ضربت هزة ارتدادية جديدة بقوة 4.9 درجة الساحل الشمالي وشعر بها سكان كراكاس وماراكاي، مما يعيق جهود رفع الكتل الخرسانية الضخمة ويضاعف المخاوف من حدوث انهيارات إضافية للمباني المتصدعة.

