-1780642949691-5e8474b2577428.png)
-1780642949691-5e8474b2577428.png)
شهد مجلس الأمن الدولي، الخميس 4 حزيران، تباينا في المواقف خلال جلسة خُصصت لبحث تطورات ملف الأسلحة الكيميائية في سوريا، حيث أشادت الولايات المتحدة بالتقدّم المحرز في عمليات الكشف عن مخلفات البرنامج الكيميائي للنظام السوري السابق.
الأمم المتحدة: تعاون مستمر مع دمشق
وأكدت الممثلة السامية لشؤون نزع السلاح، إيزومي ناكاميتسو، أن الفترة الأخيرة شهدت تقدما ملموسا في الجهود الرامية لإنهاء ملف الأسلحة الكيميائية في سوريا، مشيرة إلى استمرار التعاون بين منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والحكومة السورية لتحديد ما تبقى من عناصر البرنامج الكيميائي والتعامل معها.
ودعت الدول الأعضاء إلى مواصلة دعم هذه الجهود، فيما كانت أعلنت دمشق أواخر أيار الماضي العثور على مواد ومعدات تصنيع إضافية نُقلت إلى منشآت متخصصة تمهيدا لإتلافها.
في المقابل، أعربت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW) عن قلقها من احتمال وجود ذخائر مخفية لم تكشف عنها الحكومة السابقة بعد، ووصف مسؤولو نزع السلاح التعاون الحالي مع دمشق بأنه "جهد غير مسبوق" يتطلب دعما دوليا لوجستيا وماديا لضمان استكمال عملية التفكيك بأعلى درجات الأمان.
المواقف الغربية: إدانة صريحة للنظام السابق
وقالت نائبة المندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة، تامي بروس، إن استئناف فرق منظمة حظر الأسلحة الكيميائية عملها داخل سوريا أسفر عن العثور على ذخائر ومواد ومعدات غير معلنة سابقا، معتبرة أن هذه النتائج تؤكد أن الترسانة الكيميائية "لم تُكشف بالكامل بعد".
واعتبرت أن اكتشاف الصواريخ والمواد الكيميائية غير المعلنة يشكل إدانة تاريخية وقاطعة لخداع النظام السابق للمجتمع الدولي طوال أكثر من عقد، مشددة على ضرورة فرض رقابة صارمة ومستمرة لضمان تفكيك البرنامج الكيميائي بالكامل ومنع أي محاولة لإعادة إحيائه.
ورحبت المملكة المتحدة وفرنسا بالتعاون السريع الذي تبديه الحكومة السورية الجديدة، ولا سيما تسليمها 34 صندوقا من الوثائق المرتبطة بالبرنامج الكيميائي.
وأكد البلدان أن المرحلة المقبلة ستكون أكثر تعقيدا، وتتطلب تأمينا دوليا للمواقع الخطرة لمنع تسرب المواد أو وقوعها في أيدي جماعات متطرفة.
وأبدت تركيا دعما واضحا لعمليات التفتيش الجارية، معتبرة أن التخلص الكامل من المخلفات الكيميائية يمثل ركيزة أساسية للأمن الإقليمي وحماية الحدود المشتركة.
بكين وموسكو: الدفع نحو الإغلاق النهائي
ركّزت روسيا والصين على ضرورة عدم تسييس الملف الكيميائي أو استخدامه كأداة للضغط السياسي في المحافل الدولية.
ودعت موسكو وبكين إلى تسريع إغلاق هذا الملف نهائيا بما يسمح لسوريا بالانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار، واستعادة الاستقرار الاقتصادي، وجذب الاستثمارات الخارجية.
وركّز المندوب الروسي على ضرورة تقديم أدلة قاطعة وملموسة تثبت إخفاء النظام السابق لبرنامج عسكري كيميائي، معتبرا أن الإعلانات الحالية تحتاج إلى "تحقق دقيق وغير متسرع".
كما وجّه انتقادات مباشرة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، متهما إياها بـ انتهاك قواعد جمع الأدلة والافتقار إلى المهنية والاستقلالية في منهجية التحقيق، وهو موقف يعكس رغبة موسكو في التشكيك في الأسس الفنية التي تعتمد عليها الدول الغربية في اتهاماتها.
موسكو تتهم واشنطن ولندن بتسييس الملف
واتهمت روسيا الولايات المتحدة وبريطانيا بمحاولة تسييس الملف الكيميائي واستخدامه كأداة ضغط سياسي لإبقاء سوريا في موقع “الدولة المذنبة”، بما يتيح فرض شروط خارجية على مسارها السياسي والاقتصادي.
وشدد الوفد الروسي على أن استمرار فتح هذا الملف يخدم أجندات سياسية غربية أكثر مما يخدم العدالة أو الأمن الدولي.
ورغم انتقادها للمنهجية الغربية، حرصت موسكو على الإشادة بجهود الحكومة السورية الحالية في تسهيل عمل اللجان الدولية وتسليم الوثائق والمعلومات المطلوبة.
ودعا المندوب الروسي المجتمع الدولي إلى تحويل التركيز نحو التعافي المبكر ودعم الاقتصاد السوري، معتبرا أن إغلاق الملف الكيميائي نهائيا هو شرط أساسي لتهيئة بيئة مستقرة للاستثمار وإعادة الإعمار.
رد سوري حازم
وشهدت جلسة مجلس الأمن ردا سوريا رسميا اتسم بالوضوح والحزم، ركّز على التأكيد أن الحكومة السورية الجديدة تعتمد التعاون الشامل والشفافية الكاملة في التعامل مع ملف الأسلحة الكيميائية، مع إعلان قطيعة تامة مع ممارسات النظام السابق.
وأكد مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة، إبراهيم علبي، أن الحكومة السورية أثبتت حسن نواياها بالأفعال لا بالتصريحات، من خلال تقديم تسهيلات غير مسبوقة لفرق التفتيش الدولية.
واعتبر أن استمرار بعض الدول الغربية في توجيه الاتهامات أو الدفع نحو عقوبات جديدة يشكل عرقلة لمسار الاستقرار والتعافي، ويهدف إلى إبقاء سوريا تحت ضغط سياسي دائم رغم التغيير الجذري في نهج الدولة.
وفيما وافقت دمشق موسكو على ضرورة منع تسييس الملف والالتزام بالمعايير التقنية البحتة، فإنها ابتعدت عن التشكيك الروسي في طبيعة المكتشفات.
وأكد الوفد السوري رسميا صحة وجود الترسانة المتروكة التي تم ضبطها، مشيرا إلى أن الحكومة صادرتها بالكامل وبدأت بمحاسبة المسؤولين عنها، في خطوة تعكس التزاما واضحا بـ الشفافية الدولية وطي صفحة الماضي.
طبيعة الوثائق والمستندات التي سلمتها دمشق
سلّمت الحكومة السورية مجموعة ضخمة من الوثائق بلغ عددها نحو 60 ألف وثيقة موزعة على 34 صندوقا، شكّلت مصدرا معلوماتيا بالغ الأهمية لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وتضمنت هذه الوثائق مستندات سرية صادرة عن مركز الدراسات والبحوث العلمية، تتضمن بيانات دقيقة حول كميات غاز السارين والمواد الخام التي جرى تصنيعها وتخزينها على مدى سنوات.
وتضمنت أيضا مخططات جغرافية تفصيلية للمخابئ والأنفاق والمستودعات غير المعلنة التي استخدمها النظام السابق لإخفاء الذخائر الكيميائية بعيدا عن أعين المفتشين، إضافة وثائق تكشف التسلسل القيادي لإصدار أوامر استخدام الأسلحة الكيميائية، إضافة إلى تفاصيل لوجستية حول طراز الصواريخ والقنابل الجوية المستخدمة في الهجمات السابقة.
سوريا تعتقل 18 مسؤولا مرتبطين ببرنامج الأسد الكيميائي
أعلنت بعثة سوريا لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، في 26 أيار الماضي، إلقاء القبض على 18 شخصا يشتبه بتورطهم في إدارة وتشغيل البرنامج الكيميائي السري للنظام السابق.
وجاء الإعلان بالتزامن مع الكشف عن مخازن سرية تضم ذخائر ومواد سامة متبقية، في أكبر عملية ضبط منذ بدء التعاون بين دمشق والمنظمة الدولية.
وتضم قائمة الموقوفين ضباطاً كباراً بينهم من يحمل رتبة لواء، إضافة إلى أربعة مدرجين سابقاً على قوائم العقوبات الغربية. وتشمل المجموعة خبراء ومهندسين من مركز الدراسات والبحوث العلمية، إلى جانب عناصر أمنية كانت مكلفة بتأمين البرنامج وإخفاء نشاطه عن الرقابة الدولية.
وأسفرت التحقيقات وعمليات التفتيش الدولية عن ضبط مخلفات خطيرة، بحسب البعثة السورية أبرزها 54 قنبلة جوية و25 قنبلة أرض–أرض وسلائف غاز السارين ومعدات مزج وتخزين.
وتشير مصادر أممية إلى أن هذه المكتشفات تمثل أقوى دليل مادي حتى الآن على وجود برنامج كيميائي غير معلن احتفظ به النظام السابق لسنوات.

