

اعتذرت لاعبة الشطرنج المجرية جوديت بولغار رسميا عن قبول ترشيحها لمنصب رئيسة المجر، بعد العرض العلني الذي قدمه لها رئيس الوزراء الجديد بيتر ماغيار لتولي أعلى منصب سيادي في الدولة، في خطوة أحدثت صدى واسعا داخل المشهد السياسي الهنغاري الذي يشهد تحولات حاسمة في تموز 2026.
وقالت بولغار في بيان نشرته عبر صفحتها على فيسبوك أنها "تقدّر الثقة التي مُنحت لها بوصفها مرشحة مستقلة فوق التجاذبات الحزبية"، لكنها شددت على أنها لا تشعر بامتلاك القوة لتحمّل المسؤولية التاريخية المتمثلة في "توحيد أمة منقسمة"، في إشارة إلى الانقسام السياسي الذي تعيشه البلاد بعد نهاية حقبة فيكتور أوربان.
ورأت صحف مجرية في ترشيح بولغار محاولة ضمن رؤية رئيس الوزراء الحالي ماغيار لإحداث تغيير شامل في النظام السياسي وتفكيك مراكز النفوذ التي رسّخها رئيس الوزراء السابق أوربان خلال سنوات حكمه.
واعتبر ماغيار أن نجاحات بولغار العالمية لم تكن نتاجا لولاءات سياسية، بل ثمرة موهبتها الفذة، ما يجعلها رمزا وطنيا يحظى بإجماع شعبي، وجاء هذا الطرح في ظل فراغ رئاسي مفاجئ، بعد تعديل دستوري أنهى ولاية الرئيس السابق تاماش سوليوك، لتتولى رئيسة البرلمان أجنيس فورستهوفر مهام الرئاسة مؤقتا.
اجماع مجري على رئيس توافقي
وبعد اعتذارها عن قبول المنصب، بات على البرلمان المجري وحزب "تيسا" الحاكم البحث عن شخصية توافقية جديدة لشغل الرئاسة خلال مهلة قانونية لا تتجاوز 30 يوما، انفتح المشهد السياسي في بودابست على موجة واسعة من الترشيحات والتكهنات، في وقت يسابق فيه رئيس الوزراء الجديد بيتر ماغيار الزمن لاختيار شخصية توافقية قادرة على توحيد المجتمع وتجاوز إرث الانقسام الذي خلّفه عهد فيكتور أوربان، المعروف بعلاقته الوطيدة برئيس حكومة الاحتلال والرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ومع امتلاك حزب "تيسا" الحاكم أغلبية الثلثين داخل البرلمان، تبدو القدرة على تمرير أي اسم شبه محسومة، لكن التوجه العام يميل نحو شخصية مستقلة فوق الخطوط الحزبية، بما يعيد الهيبة الدستورية للمنصب ويمنح البلاد بداية سياسية جديدة.
اقرأ المزيد.. هزيمة ساحقة لحليف نتنياهو وترامب في الانتخابات بالمجر
-1784617509359-cdda402326b268.jpg)
في مقدمة الأسماء المطروحة يبرز بيتر باراندي، وزير العدل الأسبق وأحد أبرز رجال القانون في البلاد، بعد أن أعلنت رابطة المحامين المجرية الاستشارية (Ügyvédkör) ترشيحه رسميا بوصفه خيارا توافقيا.
ويحظى باراندي باحترام واسع داخل الأوساط الحقوقية والقضائية، نظرا لتمسكه باستقلالية القضاء، وهو ما يتماشى مع أجندة ماغيار الساعية لتفكيك ما يُعرف بـ"دولة الحزب الواحد" التي رسّخها أوربان.
وعاد إلى الواجهة اسم القاضي المخضرم أندراش باكا، الرئيس الأسبق للمحكمة العليا والقاضي السابق في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، والذي يُعد رمزا تاريخيا للدفاع عن سيادة القانون.
ويحظى باكا بدعم واضح من الكتل الليبرالية والوسطية داخل ائتلاف ماغيار، خصوصا أنه كان من أوائل القضاة الذين أُبعدوا قسريا خلال عهد أوربان بسبب مواقفه المستقلة.
من هي بولغار؟
ولدت جوديت بولغار في 23 تموز 1976، وتُعد بإجماع الخبراء والمؤرخين أعظم لاعبة شطرنج في تاريخ اللعبة، بعدما رسخت حضورا استثنائيا في عالم كان حكرا على الرجال، واكتسبت شهرتها العالمية ليس فقط بفضل إنجازاتها، بل بسبب قرارها الجريء برفض المشاركة في بطولات النساء طوال مسيرتها، وإصرارها على اللعب حصريا في البطولات المفتوحة لإثبات قدرة المرأة على التفوق في أعلى مستويات التفكير الاستراتيجي.
وبحسب الاتحاد الدولي للشطرنج حققت بولغار سلسلة أرقام قياسية صنعت منها ظاهرة فريدة؛ إذ أصبحت عام 1991 أصغر "جراند ماستر" في التاريخ متجاوزة الرقم القياسي للأسطورة بوبي فيشر، بعدما نالت اللقب وهي في سن 15 عاما، وهي المرأة الوحيدة التي اخترقت قائمة أفضل عشرة لاعبين في العالم، وبلغت المركز الثامن عام 2005، في إنجاز غير مسبوق.
وتمكنت من هزيمة 11 بطلا عالميا من الرجال في مباريات رسمية، بينهم غاري كاسباروف، أناتولي كاربوف، ماجنوس كارلسن، فيسواناثان أناند، وبوريس سباسكي، ما عزز مكانتها كأيقونة تتجاوز حدود التصنيفات التقليدية.
وفي عام 2014، أعلنت بولغار اعتزال اللعب الاحترافي وهي في قمة عطائها، بعدما احتفظت بلقب المصنفة الأولى عالميا بين النساء لمدة 26 عاما متتالية، ومنذ ذلك الحين، تتفرغ لإدارة مؤسستها التعليمية، وتأليف الكتب، والتعليق على البطولات الكبرى، إلى جانب جهودها لنشر الشطرنج كأداة تعليمية في المدارس.

