قوات الدعم السريع تقترب من حصار مدينة "الأبيض" السودانية

قوات الدعم السريع تقترب من حصار مدينة "الأبيض" السودانية

29 Jun 2026, 11:12
5 min read
قوات الدعم السريع تقترب من حصار مدينة "الأبيض" السودانية

كثفت «قوات الدعم السريع» هجماتها الجوية وبطائراتها المسيّرة على مدينة الأُبَيض، مستهدفة البنية التحتية المدنية، ومرافق الكهرباء، ومستودعات الوقود، بالإضافة إلى الطرق السريعة الحيوية المؤدية إلى خارج المدينة.؜

وذكرت وكالة رويترز أن هذه الهجمات تتزامن مع نشر تعزيزات عسكرية ضخمة ومكثفة لقوات الدعم السريع حول المدينة، أعادت إلى الأذهان المشاهد المأساوية التي سبقت الهجوم على مدينة الفاشر في شمال دارفور نهاية العام الفائت، وهو الهجوم الذي وصفه خبراء الأمم المتحدة بأنه حمل سمات "الإبادة الجماعية".؜

وفي هذا السياق، أعرب مجلس الأمن الدولي عن قلقه البالغ إزاء هذه التحركات، محذراً من ارتكاب "فظائع جماعية" وشيكة بحق المدنيين.؜

وصرّح مصدر حكومي بأن الجيش السوداني حاول إبطاء تقدم القوات المهاجمة وتدمير عتادها، في حين اتهم مصدر مقرب من «قوات الدعم السريع» الجيش باستخدام المدنيين "دروعاً بشرية".؜

ورغم اختلاف التركيبة الديمغرافية للأبيض عن الفاشر ذات العنف العرقي، فإن المخاوف تتزايد من تعرض المدنيين لعمليات نهب وعنف جنسي واسع النطاق.؜

 ؜

أزمة إنسانية مأساوية في المخيمات

ميدانياً، تسبب تدمير محطات المياه وقطع طرق الإمداد في أزمة عطش وجوع خانقة؛ حيث بات السكان يعتمدون بالكامل على الآبار وشاحنات النقل التجارية ونقاط التوزيع المحدودة.؜

وذكرت التقارير الميدانية أنه في مخيم "الرحمانية" الواقع على أطراف المدينة، تتكدس نحو 200 أسرة في مآوٍ واهية صُنعت من القش والأقمشة الممزقة.؜

وتروي أقسام محمد (35 عاماً)، وهي أم لسبعة أطفال، لوكالة الصحافة الفرنسية حجم المعاناة قائلة:؜ "نسير لمسافات طويلة ونحمل المياه فوق رؤوسنا وهي أصلاً غير صالحة للشرب..؜ ليست لدينا أي مساعدات، ونحتاج إلى المياه والمواد الغذائية".؜

ومن جانبها، تؤكد وسيلة محمد (70 عاماً) من داخل خيمتها:؜ "ليس لدينا أي شيء..؜ لا مياه ولا غذاء ولا فرش"، في وقت تلاشت فيه إمدادات الإغاثة الإنسانية تماماً نتيجة الحصار.؜

 ؜

تحذيرات من حصار شامل ووشيك

حذّر محمد رفعت من المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة من أن الأُبَيض تقترب من حالة "الحصار الشامل"، مؤكداً أن منظمات الإغاثة الدولية علّقت أنشطتها بالفعل بسبب تدهور الأوضاع الأمنية.؜

وأوضح رفعت أن الأوضاع في غياب المساعدات الفورية قد تتطابق في غضون أسابيع مع ما شهدته الفاشر، حيث اضطر المدنيون للاعتماد على أعلاف الحيوانات للبقاء على قيد الحياة

 ويمثل التحشيد العسكري الراهن حول مدينة الأُبَيض (عاصمة ولاية شمال كردفان) نقطة تحول إستراتيجية في مسار الحرب السودانية؛ فالمدينة ليست مجرد مركز إداري، بل هي العقدة اللوجستية الأهم التي تربط غرب السودان بوسطه وشرقه.؜ إن سيطرة «قوات الدعم السريع» عليها تعني عملياً عزل إقليمي دارفور وكردفان بالكامل عن بقية أنحاء البلاد، وتأمين خطوط إمداد متصلة تمتد من الحدود الغربية حتى تخوم العاصمة الخرطوم، مما يمنحها تفوقاً ميدانياً هائلاً في أي مفاوضات سياسية مستقبليّة.؜

 ؜

أهمية الأبيض

تكتسب مدينة الأُبَيض أهمية جيوسياسية واقتصادية بالغة؛ إذ يبلغ عدد سكانها نصف مليون نسمة، وتؤوي حالياً نحو 100 ألف نازح فروا من العنف في المناطق المجاورة، وتقع المدينة على طريق حيوية إستراتيجية تربط إقليم دارفور الخاضع لسيطرة «قوات الدعم السريع» في الغرب، بوسط وشرق السودان حيث تتركز مناطق سيطرة الجيش السوداني.؜

وتضم المدينة فرقة مشاة تابعة للجيش السوداني، وقاعدة جوية عسكرية، وخط أنابيب النفط الرئيسي، فضلاً عن أكبر سوق عالمية للصمغ العربي.؜

وبحسب الباحثة في الشؤون السودانية خلود خير، فإن السيطرة على الأُبَيض تتجاوز البعد العسكري لتتعلق مباشرة بـ "السلطة، الأرض، والمال"، حيث يمهد سقوطها الطريق لزحف "الدعم السريع" نحو العاصمة.؜

اقتصادياً، تضم الأُبَيض البنية التحتية الحيوية لخط أنابيب النفط الرئيسي الممتد من جنوب السودان إلى ميناء بورتسودان، وهو شريان مالي حيوي للدولة.؜ كما تُعد المدينة المركز العالمي الأول لتجارة الصمغ العربي، وهي السلعة الإستراتيجية التي لم تشملها العقوبات الدولية لأهميتها في الصناعات الغذائية والدوائية العالمية.؜ وبالتالي، فإن المعركة هناك هي معركة خنق اقتصادي متبادل.؜

أما من الناحية الإنسانية، فإن التحذيرات الأممية من تكرار "سيناريو الفاشر" تستند إلى أرقام مرعبة؛ حيث تشير التقديرات إلى مقتل أكثر من 6000 شخص في الأيام الثلاثة الأولى لسقوط الفاشر بعد حصار دام 18 شهراً.؜ ورغم غياب البعد العرقي المباشر في الأُبَيض، فإن الحصار الاقتصادي وارتفاع أسعار السلع بنسبة 300%، وتضاعف أسعار مياه الشرب، يجعل من نصف مليون مدني محاصرين تحت طنين المسيّرات، غير قادرين على الفرار بسبب الكلفة المالية الباهظة أو غياب الممرات الآمنة، مما يجعل المدينة أرضاً مهيأة لكارثة إنسانية توصف بأنها "المجاعة الصامتة والفظائع الجماعية المرتقبة".؜

اكتب تعليقًا

0 / 600

التعليقات (0)

ترتيب التعليقات →
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.