
قالت لجنة الشؤون الخارجية والدفاع والقوات المسلحة في مجلس الشيوخ الفرنسي إن سوريا ”لا تزال تواجه تحديات سياسية وأمنية وإنسانية معقدة“، رغم التغيير النظام، معلنة إطلاق بعثة معلومات برلمانية لإعداد تقرير شامل حول مستقبل البلاد، وواقع المرحلة الانتقالية، وآفاق إعادة الإعمار.
وبيّنت اللجنة، في بيان نشره مجلس الشيوخ الفرنسي، أن سوريا تقف اليوم عند “مفترق طرق”، إذ إن سقوط النظام السابق فتح مرحلة جديدة، لكنها ما تزال محاطة بتحديات داخلية وإقليمية تجعل مستقبل البلاد مرهونًا بقدرة السلطات الجديدة على ترسيخ الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
تشكيل بعثة برلمانية فرنسية
وأوضحت اللجنة أن مجلس الشيوخ قرر تشكيل بعثة معلومات برلمانية تتولى دراسة التطورات السياسية والأمنية والإنسانية في سوريا، على أن تنتهي أعمالها بإعداد تقرير يتضمن تقييمًا شاملًا للأوضاع، إلى جانب توصيات بشأن السياسة الفرنسية تجاه دمشق خلال المرحلة المقبلة.
وكشفت عن تكليف عضوي مجلس الشيوخ إتيان بلان وهلويز كونواي-موريه بإعداد التقرير وقيادة أعمال البعثة، التي ستعمل تحت إشراف لجنة الشؤون الخارجية والدفاع. ووفق البيان، ستجري البعثة سلسلة واسعة من جلسات الاستماع مع مسؤولين في الحكومة الفرنسية، وخبراء في الشأن السوري، وباحثين، وممثلين عن منظمات دولية وإنسانية، إضافة إلى شخصيات معنية بالملف السوري، بهدف تكوين رؤية شاملة حول التطورات الجارية قبل إصدار التقرير النهائي.
سوريا أمام تحديات متشابكة وبناء مؤسسات الدولة
وترى اللجنة أن التغيير السياسي الذي شهدته سوريا لا يعني انتهاء الأزمة، بل يمثل بداية مرحلة انتقالية معقدة تتطلب معالجة ملفات متراكمة منذ سنوات.
وأشار البيان إلى أن البلاد لا تزال تواجه تحديات سياسية وأمنية وإنسانية كبيرة، في وقت تحتاج فيه إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة، واستعادة الخدمات العامة، وتعزيز الاستقرار، بما يهيئ الظروف لعودة الحياة الطبيعية، لافتاً إلى أن الانقسامات التي خلفتها سنوات الصراع، إضافة إلى استمرار التوترات الإقليمية، تجعل مسار التعافي طويلًا ومعقدًا، ما يستدعي متابعة دولية دقيقة خلال السنوات المقبلة.
وركزت اللجنة على أن استقرار سوريا لا يرتبط فقط بإنهاء الأعمال العسكرية، بل يتطلب بناء مؤسسات دولة قادرة على أداء وظائفها، وتعزيز سيادة القانون، وترسيخ الأمن في مختلف المناطق.
كما لفت البيان إلى استمرار تحديات أمنية، من بينها خطر التنظيمات المتشددة، وانتشار السلاح، وتعقيد المشهد الأمني في بعض المناطق، معتبرًا أن هذه الملفات تمثل عناصر أساسية في أي عملية انتقال سياسي ناجحة.
تحديات صعبة أمام السلطات الجديدة
وشددت اللجنة على أن نجاح المرحلة المقبلة يتوقف على قدرة السلطات السورية على فرض الاستقرار، وإطلاق مؤسسات قادرة على إدارة البلاد بكفاءة، بما يساهم في استعادة الثقة داخليًا وخارجيًا، مشيرة إلى أن السلطة الجديدة برئاسة أحمد الشرع ما تزال تتمركز إلى حد كبير في يده وفي دائرة المقربين منه، رغم الإعلان الدستوري وتشكيل مؤسسات ذات طابع ديمقراطي.
ولفتت اللجنة إلى أن الخطاب الرسمي الداعي إلى المصالحة الوطنية وتعزيز الوحدة الوطنية لم ينجح في منع وقوع أعمال عنف ذات طابع طائفي، مستذكرة أحداث آذار2025 التي أسفرت عن مقتل أكثر من ألف مدني في الساحل السوري، إلى جانب الأحداث الدامية التي استهدفت السويداء في تموز من العام نفسه.
وأضاف البيان أن الحكومة السورية أعلنت تخليها عن الفكر المتشدد، إلا أن استمرار وجود عناصر متهمة بارتكاب انتهاكات ضمن بعض التشكيلات الأمنية والعسكرية يثير مخاوف بشأن قدرتها على فرض الأمن وسيادة القانون وحماية جميع المواطنين.
إعادة الإعمار وأبعادها الإقليمية والإنسانية
وأكدت اللجنة أن إعادة إعمار سوريا لا تعني إعادة تشييد المدن والمنشآت المدمرة فحسب، بل تشمل أيضًا إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحريك الاقتصاد، وتحقيق المصالحة المجتمعية، واستعادة الثقة بين مكونات المجتمع السوري.
ورأت اللجنة أن مستقبل سوريا لا ينفصل عن البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بها، مشيرة إلى أن نجاح المرحلة الانتقالية سيظل مرتبطًا أيضًا بالتفاهمات بين القوى الفاعلة في الملف السوري، وبمستوى الدعم الدولي لجهود إعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار.
وأوضح مجلس الشيوخ أن التقرير البرلماني المرتقب سيأخذ في الاعتبار مختلف هذه المعطيات، بهدف تقديم تصور يساعد صناع القرار الفرنسيين على رسم سياسة أكثر وضوحًا تجاه سوريا في المرحلة المقبلة.
يأتي إعلان مجلس الشيوخ الفرنسي تشكيل بعثة معلومات برلمانية لدراسة مستقبل سوريا بعد أيام قليلة من الزيارة الرسمية والتاريخية التي أجراها الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى العاصمة دمشق يومي السابع والثامن من شهر تموز الجاري، والتي تعد أول زيارة لرئيس دولة غربية إلى سوريا منذ سقوط النظام السابق أواخر عام 2024، والأولى لرئيس فرنسي منذ عام 2009.
وكان الرئيس السوري، أحمد الشرع، قد وصف قبيل انعقادها زيارة ماكرون بأنها تمثل “تطورًا مهمًا” في العلاقات السورية-الفرنسية، حيث تكللت بتوقيع اتفاقيات ثنائية شملت مجالات البنية التحتية والقطاع المالي لفتح صفحة جديدة من الاستقرار.

