

كشف وزير النقل السعودي صالح الجاسر عن تحركات جدية لاستكمال الدراسات الفنية لمشروع الربط السككي بين السعودية وتركيا قبل نهاية عام 2026.
ويهدف المشروع إلى إحياء المسار التاريخي الذي بدأ تشغيله عام 1908، وكان يربط المدينة المنورة بدمشق وإسطنبول، قبل أن يتوقف نتيجة تداعيات الحرب العالمية الأولى.
توقع وزير النقل في تصريحات لقناة العربية استكمال الدراسات المتعلقة بمشروع الربط السككي مع تركيا، مروراً بالأردن وسوريا، قبل نهاية عام 2026.
وأكد الجاسر أن هذا المشروع يمثل ركيزة أساسية لتعزيز التكامل الإقليمي، ويدعم حركة التجارة البينية عبر منظومة نقل بري مستدامة تربط دول المنطقة ببعضها البعض وبالأسواق الأوروبية.
منفذ الحديثة.. نقطة الارتكاز الاستراتيجية
أوضح الوزير أن المملكة قطعت شوطاً طويلاً في بنيتها التحتية الحديدية؛ حيث تمتد الشبكة الوطنية للسكك الحديدية حالياً لتصل إلى الحدود الأردنية عبر منفذ الحديثة.
وتعد هذه النقطة "حجر الزاوية" في التوسع المستقبلي، إذ تمنح المملكة القدرة الفنية واللوجستية للانطلاق نحو الربط الدولي، مما يسهل انتقال البضائع من موانئ الخليج والبحر الأحمر مباشرة نحو الشمال.
مبادرة المسارات اللوجستية لمواجهة الأزمات
وتأتي هذه التحركات السككية بالتوازي مع إطلاق "مبادرة المسارات اللوجستية" في ميناء جدة الإسلامي، والتي تهدف إلى ضمان استمرار تدفق التجارة في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة في البحر الأحمر والخليج العربي.
وأكد الجاسر أن المملكة فعّلت ممرات بديلة برية وبحرية، مستغلةً الطاقة الاستيعابية الكبيرة لموانئها التي تتجاوز 17 مليون حاوية سنوياً، لضمان انسيابية سلاسل الإمداد وعدم تأثرها بالاضطرابات الإقليمية.
ربط الموانئ بمسارات عابرة للحدود
وأشار الوزير إلى تكامل العمل لربط موانئ البحر الأحمر بمسارات لوجستية تمتد إلى دول الخليج، ما يعزز من قدرة السعودية على أن تكون مركزاً إقليمياً لإعادة توجيه الشحنات.
كما لفت إلى أن الجاهزية لا تقتصر على الموانئ والسكك الحديدية، بل تشمل المطارات السعودية التي تفتح أبوابها لدعم حركة النقل والتجارة للدول الشقيقة، مما يعكس دور المملكة القيادي في إدارة الأزمات وتأمين الاستقرار الاقتصادي للمنطقة.
رؤية مستقبلية للنقل المستدام
ويُعد مشروع الربط مع تركيا عبر الأردن وسوريا تحولاً نوعياً في مفهوم النقل البري، حيث يسعى لتقليل الاعتماد على المسارات التقليدية وتوفير بدائل أسرع وأقل تكلفة لنقل البضائع.
ومن المنتظر أن يفتح هذا الربط آفاقاً تجارية جديدة، تربط موانئ السعودية والممرات الخليجية بالعمق التركي وصولاً إلى قلب أوروبا، مما يجسد طموحات رؤية المملكة 2030 في قطاع الخدمات اللوجستية.
ممر بري بديل لمواجهة اضطرابات الملاحة
ويأتي هذا التوجه السعودي في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه حركة الشحن البحري، لا سيما أزمات المضائق البحرية وتعطل سلاسل الإمداد العالمية، حيث يمثل المشروع، الذي يمر عبر الأردن وسوريا، ممرًا بريًا آمنًا ومستدامًا يعزز مرونة التجارة بين آسيا وأوروبا، ويقلل الاعتماد الكلي على المسارات البحرية المهددة بالتوترات الجيوسياسية.
تكامل البنية التحتية
وتستفيد المبادرة من التطور الهائل في البنية التحتية السعودية؛ حيث تصل الشبكة الحديدية الحالية بالفعل إلى الحدود الأردنية عبر منفذ "الحديثة" بمنطقة الجوف، وويتزامن ذلك مع مشروع السكك الحديدية الأردني لتطوير خطوط منطقة العقبة القريبة من مدينة "نيوم" العالمية، مما يجعل المنطقة ممراً لوجستياً استراتيجياً يربط دول الخليج والعراق بتركيا ومنها إلى القارة الأوروبية.
الربط الخليجي الموحد: الشبكة الكبرى
ويكتسب المشروع أهمية مضاعفة عند ربطه بمشروع "شبكة القطار الخليجية" الموحدة.
هذا التكامل سيفتح المجال نظرياً لخط سككي متصل يبدأ من إسطنبول، ويمر عبر دمشق وعمّان، وصولاً إلى مدن السعودية، ومن ثم يمتد إلى كافة عواصم دول الخليج العربي، مما يخلق واحداً من أطول وأهم الممرات البرية المتكاملة في العالم.
السعودية.. محور لوجستي عالمي
وتمتلك السعودية قدرات لوجستية فائقة تدعم نجاح هذا المشروع، منها موانئ على البحر الأحمر تستوعب أكثر من 17 مليون حاوية سنوياً، وشبكة منافذ برية متطورة، هذا الثقل اللوجستي يعزز من دور المملكة كحلقة وصل رئيسية في حركة النقل الدولية، ويدعم جدوى الاستثمار في السكك الحديدية العابرة للحدود.
التطلعات المستقبلية
ومن المتوقع أن تكشف الأيام المقبلة وحتى نهاية العام الجاري عن تفاصيل دقيقة تتعلق بالجدول الزمني وآليات التنفيذ والتنسيق بين الدول الأربع المعنية (السعودية، تركيا، الأردن، وسوريا).
ويمثل هذا المشروع، في حال تنفيذه، انتصاراً للواقعية الاقتصادية التي تسعى لتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية لصالح الازدهار التجاري الإقليمي.
تركيا ترمم خطوط السكك الحديدية المحاذية للحدود السورية
وكانت وزارة النقل والبنية التحتية التركي أعلنت مؤخراً عن استكمال أعمال التجديد في عدد من خطوط السكك الحديدية المحاذية للحدود السورية كخطوة مهمة في تعزيز البنية اللوجستية بين البلدين.
وقال وزير النقل التركي عبد القادر أورال أوغلو في تصريحات نقلتها وسائل إعلام تركية إن إعادة الخطوط الحدودية إلى الخدمة تمت بعد تزويدها ببنية تحتية وفوقية أكثر قوة ومتانة وذلك ضمن مشروع متكامل يهدف إلى ضمان جاهزيته التشغيلية على المدى الطويل.
وأوضح أوغلو أن عمليات التجديد شملت خطي قرقاميش – نصيبين بطول 325 كيلومتراً، وخط ماردين – شنيورت بطول 25 كيلومترا، مع إعادة فتح المسار أمام حركة القطارات مشيرا إلى أن الأعمال المنفذة تجاوزت أعمال الصيانة العادية لتتضمن عملية تحديث شاملة لمعالجة احتياجات تراكمت على مدى سنوات.
ويشهد التعاون السككي بين سوريا وتركيا عودة تدريجية بعد سنوات من الانقطاع مدفوعا بحاجات اقتصادية ولوجستية مشتركة وضمن إطار إقليمي أوسع يشمل الأردن والعراق، حيث تتوقع تقارير متخصصة أن يشهد الشرق الأوسط واحدا من أهم مشاريع الربط السككي خلال العقد القادم.
وتحدث الوزير عن الجهود الكبيرة المبذولة نظرا للصعوبات الكبيرة بسبب توقف أعمال الصيانة منذ عام 2024 على طول الخط البالغ 350 كيلومتراً معربا عن أمله بأن "ترفع إعادة تشغيله قدرة نقل البضائع وتدعم التكامل الإقليمي" في إشارة منه إلى مذكرة التفاهم الثلاثية مع سوريا والأردن التي تم توقيعها في 7 نيسان الجاري حول آليات تطوير قطاعات النقل والربط اللوجستي بين الدول الثلاث.
تعاون سوري ـ تركي ـ أردني في النقل السككي
وتضمنت مذكرة التفاهم التي تم توقيعها خلال اجتماع اللجنة الوزارية المشتركة في العاصمة الأردنية عمّان مؤخراً إنشاء إطار مؤسسي وفني للتعاون في مجالات النقل البري والبحري والسككي، وتشكيل لجان وفرق عمل مشتركة ووضع خطط قطاعية موحدة لضمان تنسيق الجهود وتوحيد الإجراءات.
ونضت المذكرة أيضا على التعاون تعزيز الربط السككي الإقليمي عبر لجنة فنية ثلاثية وتطوير النقل البري والبحري والسككي وتحسين البنية التحتية وتسهيل حركة الشحن والركاب وتبسيط الإجراءات الحدودية، بما يسهم في رفع كفاءة سلاسل الإمداد وتعزيز التبادل التجاري ودعم الترانزيت بين الدول الثلاث.

