
خفض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو العالمي لعام 2026 إلى 3% بدلا من 3.1%، في تحديث يعكس تأثير التوترات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف التمويل، رغم الدعم الذي وفرته طفرة الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي والتخفيضات الضريبية الأمريكية التي ساعدت في امتصاص صدمة اضطرابات التجارة العالمية وإغلاق مضيق هرمز.
وفي المقابل، تصدّرت السعودية المشهد الإقليمي بوصفها الاقتصاد الأكثر تماسكا، إذ رفع الصندوق توقعاته لنمو اقتصادها إلى 5.5% للعام المقبل، بزيادة نقطة مئوية كاملة عن تقديرات نيسان، مستندا إلى توسع الأنشطة غير النفطية، وتنوع مسارات التصدير، وتنفيذ إصلاحات اقتصادية واسعة عززت مرونة الاقتصاد السعودي في مواجهة الاضطرابات الإقليمية.
وتراجعت توقعات نمو منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى دائرة الانكماش بنسبة 0.5%، في انعكاس مباشر لتأثيرات الأزمات الإقليمية وارتفاع تكاليف التمويل، ما يبرز الفجوة المتزايدة بين الاقتصادات الأكثر قدرة على التكيف، وفي مقدمتها السعودية، وبين اقتصادات المنطقة التي تواجه ضغوطا متصاعدة.
انكماش اقتصاد الشرق الأوسط
توقع صندوق النقد الدولي أن يشهد اقتصاد منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا انكماشا بنسبة 0.5% خلال عام 2026، وهو تراجع حاد مقارنة بتقديرات نيسان التي كانت تشير إلى نمو إيجابي قدره 1.1%.
ورأى خبراء أن هذا الخفض الكبير، البالغ 1.6 نقطة مئوية، يعكس حجم الضغوط التي تتعرض لها اقتصادات المنطقة نتيجة استمرار التوترات الجيوسياسية، واضطرابات الملاحة والطاقة المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز، إضافة إلى تمديد تخفيضات إنتاج النفط التي قلّصت العوائد المالية للدول المنتجة.
وحمل التقرير، رغم قتامة المشهد في 2026، توقعات متفائلة لعام 2027، إذ رجّح الصندوق قفزة تعافٍ قياسية بنمو يصل إلى 7.3%، وهو أعلى معدل يُسجَّل في المنطقة منذ أكثر من 23 عاما، مستندا في هذا التفاؤل إلى فرضية حدوث انفراجة دبلوماسية في الصراع الإقليمي، وإعادة الفتح التدريجي للممرات المائية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، بما يعيد تدفق التجارة والطاقة إلى مستوياتها الطبيعية.
مفارقة غير متوقعة
وكشف التقرير تباينا واضحا في أداء اقتصادات المنطقة، حيث توقع الصندوق نمو الاقتصاد السعودي بنسبة 1.7% في 2026 و5.5% في 2027، مستفيدة من شبكات لوجستية بديلة وسحب من المخزونات النفطية لتجاوز اضطرابات الإمداد.
وتحدث الصندوق عن تسجيل الاقتصاد المصري مرونة لافتة الأمر الذي من شأنه رفع توقعات النمو إلى 4.6% في 2026 بفضل الإصلاحات الهيكلية الجارية، وي المقابل، تواجه دول مثل العراق والكويت وقطر انكماشات حادة نتيجة تأثرها المباشر باضطرابات إنتاج الطاقة وصعوبات الشحن البحري.
واستند الصندوق في توقعاته إلى مجموعة فرضيات رئيسية، أبرزها بدء إعادة فتح مضيق هرمز تدريجيا في منتصف تموز 2026، واستقرار أسعار النفط عند متوسط 89 دولارا للبرميل بدعم من اتفاقات التهدئة، إضافة إلى تحذير الصندوق من أن الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية التي لجأت بعض الدول إلى استخدامها شارفت على النفاد ما يجعل المنطقة أكثر عرضة لأي تصعيد جديد.
تحذيرات من مخاطر خفض الفائدة
ودعا صندوق النقد الدولي إلى تبنّي مسار اقتصادي أكثر انضباطا لتفادي الدخول في دائرة الركود العالمي، عبر مزيج من السياسات النقدية والمالية والإصلاحات الهيكلية التي تستهدف معالجة جذور التباطؤ الاقتصادي لا مظاهره فقط.
وشدد الصندوق على الحذر الشديد في خفض أسعار الفائدة بحيث لا يتحول إلى محفز جديد لعودة التضخم، بل إلى أداة لضمان هبوط آمن ومنضبط للاقتصادات التي تواجه ضغوطا متزايدة من ارتفاع تكاليف التمويل وتوترات الأسواق.
واعتبر الصندوق أن ضبط المالية العامة بات ضرورة لا خيارا، داعيا الحكومات إلى تقليص العجز وإعادة بناء الاحتياطيات المالية، بما يعيد الثقة في قدرة الدول على مواجهة الصدمات المستقبلية، ويمنحها هامشا أوسع للتحرك عند حدوث اضطرابات مفاجئة في الأسواق أو سلاسل الإمداد، مجددا التأكيد على أن هذا المسار المالي الصارم هو الضمانة الأساسية لمنع تراكم الديون وتجنب انتقال الاقتصادات إلى مرحلة هشّة يصعب الخروج منها.
ورأى الصندوق أن الاستثمار في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتحول الأخضر لم يعد خيارا تنمويا بل ضرورة لتعويض النقص المتزايد في القوى العاملة، ولتعزيز قدرة الاقتصادات على خلق قيمة مضافة أعلى في قطاعات الصناعة والخدمات، مؤكدا أن التحول الرقمي والبيئي هو الطريق الأكثر فعالية لرفع كفاءة الاقتصادات وتخفيف آثار التباطؤ العالمي.

