

يواجه ملايين الصوماليين من شبح الجوع وسوء التغذية الحاد في واحدة من أعقد الأزمات الغذائية التي يشهدها العالم اليوم.
ومع تراجع التمويل الدولي للمنظمات الدولية ذات الصلة ، واستمرار الصدمات المناخية العنيفة، إلى جانب ارتدادات الأزمات الإقليمية، تتسارع وتيرة انهيار الخدمات الأساسية في البلاد، بينما تقف النساء والأطفال في مقدمة ضحايا معركة البقاء اليومية التي تُنذر بمجاعة وشيكة.
تضاعف أعداد الجوعى في عام واحد
وكشف برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة (WFP) في أحدث تقاريره، أن وضع الأمن الغذائي والتغذوي في الصومال تفاقم بشكل متسارع يفوق التوقعات السابقة، مدفوعاً بظاهرة الجفاف المتكرر، وانخفاض تدفقات المساعدات.
ووفقاً للبيانات الرسمية، قفز عدد المصابين بنقص الغذاء الحاد في البلاد ليصل إلى حوالي مليوني شخص، وهو ما يمثل أكثر من ضعف عددهم المسجل خلال نفس الفترة من العام الماضي، مما يعكس تدهوراً حاداً وخطيراً في المؤشرات الإنسانية لسبل العيش.
وتصنف التقارير الأممية الصومال كأحد أخطر بؤر سوء التغذية عالمياً؛ إذ يواجه نحو 1.9 مليون طفل خطر سوء التغذية الحاد.
ويشير أحدث تحليل صادر عن "التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي" (IPC) إلى أن منطقة "بورهاكابا" الواقعة في جنوب غربي البلاد باتت تواجه خطراً حقيقياً ومباشراً لإعلان المجاعة؛ حيث يعاني ما يقرب من 40% من الأطفال دون سن الخامسة هناك من سوء التغذية الحاد أو درجات أسوأ تضع حياتهم على المحك، بالتزامن مع تراجع مخيف في خدمات الرعاية الصحية الطارئة.
فجوة تمويلية خانقة تضرب الاستجابة
وفي السياق ذاته، أطلق برنامج الأغذية العالمي تحذيراً شديد اللهجة من التداعيات الوخيمة لنقص التمويل الدولي، والذي قوض النطاق الجغرافي والعددي للاستجابة الإنسانية بشكل كبير.
وتوضح الأرقام أن المساعدات الغذائية الحالية للبرنامج لا تغطي سوى 450 ألف شخص فقط، أي ما يعادل 24% فقط من السكان المصنفين تحت "المرحلة الرابعة" (حالة الطوارئ الشديدة) حتى نهاية شهر آب، مما يترك الملايين دون غطاء إغاثي، ويدفع باتجاه مطالبات دولية بتمويل عاجل وفوري لتوسيع العمليات الميدانية قبل خروج الوضع عن السيطرة.
وأشارت المصادر الدولية إلى أن الأزمة الإنسانية الراهنة في الصومال ترتبط بملفات متداخلة تجمع بين "تغير المناخ" و"الجيوسياسية الإقليمية". فمن ناحية، تقع البلاد ضحية لظواهر مناخية متطرفة تضرب منطقة القرن الأفريقي.
وأشارت المصادر إلى أن مواسم الجفاف تعاقبت أدت إلى جفاف الآبار والوديان، مما دمر البنية التحتية للمجتمعات الزراعية والرعوية، هذا الانحباس المطرى قضى على المحاصيل والماشية التي تمثل العصب الاقتصادي للبلاد، وتحملت النساء في الريف العبء الأكبر بعد أن رأين الجفاف يلتهم مدخراتهن وخُططهن للمستقبل، مما أدى إلى موجات نزوح داخلي واسعة نحو مخيمات عشوائية تفتقر لأدنى مقومات الحياة.
وأوضحت المصادر، أنه من ناحية أخرى، ألقى التصعيد العسكري المستمر في منطقة الشرق الأوسط بظلاله الثقيلة على الوضع الهش أصلاً في الصومال. فقد تسببت التوترات الجيوسياسية الإقليمية واضطراب خطوط الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن في ارتفاع قياسي لأسعار السلع الغذائية المستوردة وتكاليف الشحن والوقود، إلى جانب تشتيت انتباه المانحين الدوليين وتوجيه الدعم المالي نحو بؤر صراع أخرى.
وأكدت المصادر الدولية أن هذا التزامن الخطير بين قسوة الطبيعة وشح الدعم المالي العالمي جعل الصومال يواجه منفرداً واحدة من أصعب فترات تاريخه الحديث، وسط مخاوف من تكرار مأساة مجاعة عام 2011.

