

غيب الموت في العاصمة الأردنية عمّان الشاعر والروائي والمفكر السوري عبد الله عيسى السلامة عن عمر ناهز 82 عاما، بعد رحلة إبداعية وفكرية امتدت لأكثر من خمسين عاما، ترك خلالها أثرا بارزا في الشعر العربي المعاصر والأدب الإسلامي والرواية والقصة القصيرة.
وُلد السلامة عام 1944 في قرية الحديدي قرب منبج، في بيئة أنجبت البحتري، وهو ما دفع نقادا إلى تلقيبه بـ "بحتري العصر"، درس العربية في جامعة دمشق، وبدأ حياته مدرسا قبل أن ينخرط في الشأن العام ما أدى إلى اعتقاله عام 1973.
وغادر سوريا مطلع الثمانينيات ليستقر في الأردن، حيث عاش معظم سنوات منفاه وواصل نشاطه الثقافي، وحصل على شهادة في الحقوق عام 1988.
شاعر المنفى… لغة كلاسيكية بروح معاصرة
ارتبط اسم السلامة بالشعر قبل أي جنس أدبي آخر، فأصدر خمسة دواوين شكلت محطات أساسية في تجربته: الظل والحرور، واحة في التيه، ثآليل في جبهة السامري، المعاذير، وأمواج بارقية، وتميز شعره بمزجٍ بين اللغة الكلاسيكية والهموم المعاصرة، مع حضور لافت للأسئلة الوجودية والسياسية.
واكتسب حضورا واسعا لدى جمهور النشيد الإسلامي عبر قصائد تحولت إلى أعمال إنشادية شهيرة مثل "أنا والبلبل" و"خلي يديّ فلست من أسراك"، التي تناقلتها أجيال من المنشدين منذ سبعينيات القرن الماضي.
ولم يقتصر عطاؤه على الشعر، بل خاض الرواية والقصة، مقدما أعمالا تنتقد الاستبداد والفساد والاغتراب الإنساني بأساليب رمزية وساخرة، من بينها الثعابيني، الغيمة الباكية، سر الشارد، ومن قتل الرجل الغامض؟، إضافة إلى مجموعات قصصية مثل لماذا يكذب الجزار؟ ودموع ضرغام.
إرث ثقافي يتجاوز الإبداع الأدبي
كتب السلامة عشرات المقالات والدراسات في الفكر والسياسة والأدب، وكان عضوا في رابطة الأدب الإسلامي العالمية، وأسهم في النقاشات المتعلقة بالهوية والثقافة والإصلاح السياسي في العالم العربي، وحصد جوائز مرموقة، بينها جائزة عكاظ للشعر وجائزة البابطين للإبداع الشعري.
ويرى نقاد أن أهمية السلامة لا تكمن فقط في حجم إنتاجه، بل في كونه نموذجا للمثقف السوري الذي جمع بين الإبداع والالتزام الفكري، وحمل تجربة المنفى دون أن تنقطع صلته بقضايا وطنه وأمته.
وبرحيله، يخسر المشهد الثقافي العربي صوتا ظلّ وفيّا لفكرة الأدب بوصفه شهادة على العصر ووسيلة للدفاع عن الحرية والكرامة الإنسانية، وهي القيم التي حضرت بقوة في دواوينه ورواياته ومقالاته على امتداد عقود من الكتابة.

