

ودّعت الأوساط الثقافية والموسيقية العالمية أحد أبرز رموزها التاريخيين، برحيل عازف الجاز الأميركي شديد التأثير سوني رولينز (Sonny Rollins)، المعروف بلقب "عملاق الساكسفون" (Saxophone Colossus)، عن عمر ناهز 95 عاماً.
وتوفي عازف الساكسفون التينور الأسطوري الليلة الماضية في منزله الواقع بمدينة وودستوك في ولاية نيويورك، وفقاً لبيان رسمي أصدرته وكيلته الإعلامية تيري هينت، التي وصفته بأنه "أحد أكثر الشخصيات تكريماً وتأثيراً في الموسيقى الأميركية في القرن العشرين وما بعده".
ورغم عدم الإعلان رسمياً عن أسباب الوفاة، إلا أن رولينز كان قد عانى في سنواته الأخيرة من التليف الرئوي ومشكلات تنفسية حادة أجبرته على اعتزال الجولات الفنية عام 2012.
وأُرفق إعلان رحيله باقتباس روحي له يعود إلى عام 2009 قال فيه: "أعتقد أن الإنسان المبدع حين تنتهي حياته هنا، يواصل وجوده في الحياة التالية. أنا شخص يؤمن بأن هذه الحياة ليست كل شيء. الإنسان الروحي لا يشعر أن كل شيء ينتهي هنا".
في حي هارلم كانت البدايات
وُلد ثيودور والتر رولينز في حي هارلم العريق بنيويورك في السابع من سبتمبر 1930، ونشأ في بيئة ثقافية خصبة جعلت منه لاحقاً واحداً من أواخر النجوم الباقين من حقبة الـ "bebop" الثورية.
واشتهر رولينز على نطاق واسع ببراعته الفائقة في الارتجال على آلة الساكسفون، وقدرته الفريدة على التجريب الموسيقي المستمر وتحدي القوالب الجاهزة.
وعلى مدار مسيرة مهنية امتدت لستة عقود في صناعة الموسيقى، جاور رولينز كبار عمالقة الجاز وعمل معهم جنباً إلى جنب، وفي مقدمتهم: مايلز ديفيس، ديزي غيليسبي، تشارلي باركر، جون كولتراين، ثيلونيوس مونك، وآرت بلايكي.
وأصدر خلال مسيرته الحافلة أكثر من 60 ألبوماً بصفته قائد فرقة (Bandleader)، من بينها ألبومه الأيقوني "Saxophone Colossus" الصادر عام 1957، وألبوم "The Bridge" عام 1962، اللذان يثريان اليوم كلاسيكيات الموسيقى العالمية، بالإضافة إلى روائع أخرى مثل "Way Out West" (1957)، و"A Night at the Village Vanguard" (1958)، و"Freedom Suite" (1958). تقديراً لهذا الإرث، أُدرج ألبوم "Saxophone Colossus" عام 2017 في السجل الوطني للتسجيلات بمكتبة الكونغرس الأميركية، التي أشادت بعزفه المنفرد ووصفته بـ"القوة والرشاقة وروح الدعابة".
التجريب المستمر وعمل عابر للأنواع الموسيقية
كان رولينز ينظر إلى تجربته الفنية بعين التواضع الدائم؛ إذ كان يصف نفسه بأنه "عمل قيد الإنجاز"، رافضاً الاستقرار على أسلوب تعبيري واحد.
هذا الشغف قاده لتوسيع آفاق صوته الموسيقي عبر دمج تأثيرات الفانك (Funk) والـ (R&B) في مقطوعاته.
ولم ينحصر تأثيره في حدود نوادي الجاز؛ بل امتد إلى السينما حيث وضع الموسيقى التصويرية للفيلم البريطاني الشهير "Alfie" عام 1966 من بطولة مايكل كين.
كما حفر اسمه في ذاكرة عشاق موسيقى الروك من خلال مساهمته المميزة عام 1981 في ألبوم "Tattoo You" لفرقة "The Rolling Stones" العالمية، حيث صدح ساكسفونه بعزف منفرد ساحر في أغنية البالاد الشهيرة "Waiting on a Friend".
جوائز غرامي وأوسمة رئاسية رفيعة
حصد سوني رولينز خلال رحلته الطويلة أرفع الأوسمة والتكريمات؛ حيث نال ألبومه "This is What I Do" الصادر عام 2001 جائزة "غرامي" لأفضل ألبوم جاز آلي.
وتُوج مجدداً عام 2006 بجائزة "غرامي" لأفضل أداء منفرد في الجاز عن قطعة "Why Was I Born?"، المأخوذة من ألبوم "Without a Song: The 9/11 Concert"، وهو تسجيل حي لحفلة أقيمت في بوسطن بعد أربعة أيام فقط من هجمات 11 أيلول، بعد أن جرى إجلاؤه من شقته القريبة من "غراوند زيرو"، حيث أصر على إقامة الحفل بناءً على رغبة زوجته ومديرة أعماله الراحلة لوسيل (توفيت عام 2004).
وفي عام 2010، قُلّد رولينز "الميدالية الوطنية للفنون" من قبل الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، تلاها تكريم مركز كينيدي المرموق عام 2011.
وحينها، عبّر الرئيس أوباما عن عمق تأثير هذا الفنان قائلاً إن رولينز وموسيقاه ألهمته شخصياً "للإقدام على المخاطرة باتخاذ خطوات وقرارات ربما لم يكن ليجرؤ عليها لولا استماعه لتلك الألحان الارتجالية الحرة"، ليرحل رولينز تاركاً خلفه ثلمة لا تُعوض في جدار الموسيقى الإنسانية.

