
رئيس صربيا يعلن تنحيه عن منصبه بعد 13 عاماً في السلطة ويدعو لانتخابات مبكرة

فجّر الرئيس الصربي، ألكسندر فوتشيتش، قنبلة سياسية مدوية بإعلانه الرسمي أمام حشد هائل من مناصريه في العاصمة بلغراد أنه سيتنحى عن منصبه خلال الأسابيع القليلة المقبلة.
وجاء هذا القرار المفاجئ ليقطع ولايته الرئاسية الثانية والأخيرة قبل نحو عام كامل من موعدها الدستوري المقرر في منتصف عام 2027، واضعاً حداً لـ 13 عاماً من الهيمنة المطلقة على المشهد السياسي في البلاد، وسط دعوات فورية منه لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة لإعادة ترتيب الأوراق السياسية.
زلزال "نوفي ساد" والحراك الطلابي
يأتي هذا التطور الدراماتيكي كذروة لـ 18 شهراً متواصلة من التظاهرات والاحتجاجات الشعبية العارمة، والتي تخللتها أعمال عنف مواجهة حادة، إثر فاجعة انهيار سقف مظلة محطة القطارات في مدينة "نوفي ساد" بشمالي صربيا في تشرين الثاني 2024، وهي الكارثة التي أسفرت عن مقتل 16 شخصاً.
واتخذ الحراك الطلابي، الذي شكل رأس الحربة في هذه المظاهرات، من دماء ضحايا المحطة دافعاً أساسياً لتوسيع المطالب؛ حيث اعتبر المحتجون وأحزاب المعارضة وجماعات حقوق الإنسان أن الكارثة دليل دامغ على سوء الإدارة الحكومية الفاسدة والمشاريع الإنشائية المشبوهة، ليتطور الحراك من المطالبة بتحقيق شفاف إلى المطالبة برحيل النظام وإجراء انتخابات مبكرة.
مناورة سياسية وعودة للنفوذ
حيث لم يحدد الرئيس الصربي التاريخ الدقيق لاستقالته أو موعد حل البرلمان، وهو الإجراء الدستوري الإلزامي لتنظيم الانتخابات التشريعية، مكتفياً بالتأكيد على أنه سيسخر كل جهوده لمساعدة "الحزب التقدمي الصربي" الحاكم لضمان الفوز بالاستحقاقات المقبلة.
ودفع هذا الغموض المراقبين والمنتقدين إلى إدراج الإعلان في خانة "المناورة التكتيكية"؛ حيث تتردد شائعات شبه مؤكدة في الأوساط السياسية ببلغراد حول سعي فوتشيتش للتخلي عن الكرسي الرئاسي بغية المنافسة وتولي منصب رئيس الوزراء مجدداً –وهو المنصب الذي دخله وسيطر عليه بين عامي 2014 و2017– كخطوة ذكية تتيح له الاحتفاظ بزمام النفوذ الفعلي وإدارة الدولة من وراء الستار الدستوري لـ "السرايا الحكومية".
ردود فعل معارضة مشككة
سارعت قوى المعارضة الصربية إلى التقليل من طابع "التنازل الديمقراطي" للخطاب؛ حيث أكد سافو مانويلوفيتش، رئيس حركة "انطلق-تغيّر" الطلابية المعارضة، أن فوتشيتش لا يقدم هدية للشعب، بل "يحاول استباق سقوطه الحتمي تحت وطأة الضغط الشارعي"، لافتاً إلى أن الحراك الطلابي بات يتمتع بحاضنة شعبية ودعم أكبر مما يحظى به الرئيس نفسه.
وعكس خطاب السبت تحولاً لافتاً في نبرة فوتشيتش، الذي طالما نعت الطلاب المتظاهرين في خطاباته السابقة بأنهم "عملاء لأطراف أجنبية" ومحركو فتن يهدفون لتقسيم البلاد وإسقاط مؤسسات الدولة بتمويل خارجي.
رمزية "فيدوفدان" والتصعيد الموازي
تزامن إعلان التنحي مع إحياء صربيا لذكرى "فيدوفدان" (عيد القديس فيتوس)، وهي عطلة وطنية ودينية تصادف 28 حزيران وتحمل في الوجدان الصربي رمزية تاريخية بالغة العمق والتعقيد، ممتدة من معركة كوسوفو الشهيرة عام 1389 وصولاً إلى حادثة اغتيال الأرشيدوق فرانتس فرديناند عام 1914 في سراييفو والتي فجرت الحرب العالمية الأولى.
وفي الوقت الذي كان فيه فوتشيتش يخطب في بلغراد، احتشد آلاف الطلاب في مدينة "نوفي ساد" لإحياء ذكرى الضحايا، بالتوازي مع التجهيز لمسيرة طلابية حاشدة أخرى يوم الأحد في مدينة "كرالييفو" جنوب شرقي البلاد، لتأكيد مواصلة الضغط الشارعي وعدم القبول بالوعود الشفهية حتى ترجمة الاستقالة وحل البرلمان رسمياً على أرض الواقع.
ويمثل ألكسندر فوتشيتش الرقم الأصعب في السياسة الصربية طوال العقد الماضي؛ حيث تدرج في مناصب سيادية حساسة مستنداً إلى قاعدة جماهيرية واسعة لـ "الحزب التقدمي الصربي"، إلا أن تراكم ملفات الفساد الهيكلي وقمع الحريات الإعلامية والاتهامات المستمرة لارتباط حلفائه بأوساط الجريمة المنظمة، فضلاً عن السقوط المأساوي لضحايا محطة القطارات، شكل مجتمعاً نقطة اللاتراجع لنظام حكمه، لتدخل صربيا بهذه الاستقالة مرحلة حرجة من إعادة تشكيل تحالفاتها السياسية الداخلية وعلاقاتها الإقليمية المضطربة في منطقة البلقان.

