
دور المزادات العالمية تتأهب لطرح قطع تاريخية ارتبطت بأساطير كرة القدم

مع انطلاق مباريات كأس العالم 2026 وصخب الملاعب في أمريكا الشمالية هذه الأيام، يتجدد الزخم بشكل غير مسبوق في سوق المقتنيات الرياضية.
هذه السوق الاستثنائية لم تعد مجرد هوس عابر للهواة والشغوفين، بل تحولت رسمياً إلى فئة أصول استثمارية تدر ثروات طائلة على من ينجح في اقتناصها. وفي هذا العالم الفريد، لا ترتبط قيمة القطعة بتكلفتها المادية الأصلية، بل بالحكاية التاريخية واللحظة الإنسانية الخالدة التي توثقها خلف الشباك أو فوق منصات التتويج.
قطع تاريخية معروضة
تتأهب دور المزادات العالمية لطرح قطع تاريخية ارتبطت بأساطير الساحرة المستديرة مستغلة الاهتمام العالمي الجارف.
وتتجه الأنظار تحديداً نحو مزاد "The Beautiful Game" الذي تنظمه دار "سوذبيز" الشهيرة، حيث يُعرض قميص الأسطورة البرازيلي الراحل بيليه الذي ارتداه في نهائي مونديال 1958 بقيمة تقديرية تتجاوز 6 ملايين دولار، وهو المونديال الذي شهد ولادة نجوميته العالمية وهو في 17 من عمره.
وفي السياق ذاته، تطرح دار "بودز" المتخصصة الميدالية الذهبية لبيليه من البطولة نفسها وسط توقعات بأن تتخطى 600 ألف دولار، إلى جانب ميدالية الحارس الإنجليزي غوردون بانكس لعام 1966، وقميص الحارس بيتر شيلتون.
صفقات حطمت الأرقام
شهدت السنوات القليلة الماضية مبيعات قياسية لقطع غيرت مفهوم الاستثمار الرياضي بالكامل قبل أن نصل إلى المونديال الحالي.
وتصدر هذه القائمة قميص أسطورة الأرجنتين دييغو مارادونا من مونديال 1986، والذي بيع في مزاد لدار "سوذبيز" عام 2022 مقابل 9.3 ملايين دولار، وهو القميص الذي شهد تسجيل هدفه المثير للجدل المعروف باسم "يد الرب" يليه "هدف القرن".
وفي كانون الأول من عام 2023، بيعت مجموعة مكونة من ستة قمصان ارتداها ليونيل ميسي خلال مباريات الأرجنتين في مونديال 2022 مقابل 7.8 ملايين دولار.
ولم يقتصر الأمر على القمصان، إذ بيعت الكرة المستخدمة في مباراة الأرجنتين وإنجلترا التاريخية عام 1986 مقابل نحو 2.4 مليون دولار.
مفارقات وقصص ملهمة
خلف هذه الأرقام المليونية تقف قصص ومفارقات تاريخية عجيبة؛ فقميص مارادونا التاريخي ظل بحوزة لاعب المنتخب الإنجليزي ستيف هودج لأكثر من ثلاثة عقود، بعد أن تبادله مع النجم الأرجنتيني عقب صافرة نهاية تلك المباراة المؤلمة للإنجليز، ليتحول التذكار بعد سنوات طويلة إلى ثروة هائلة.
أما الكرة التاريخية للمباراة ذاتها، فقد احتفظ بها حكم اللقاء التونسي علي بن ناصر لما يزيد عن ثلاثين سنة في منزله قبل أن يقرر طرحها في المزاد لتدير عليه ملايين الدولارات وتتحول إلى كنز حقيقي.
آليات التحقق الرقمي
نظراً للمبالغ الضخمة المتداولة، أصبحت مسألة إثبات أصالة المقتنيات وتوثيقها عملية بالغة التعقيد والدقة.
وتخضع القطع لفحوصات مجهرية وتاريخية من قِبل شركات متخصصة تراجع سجل انتقال القطعة بين المالكين وتقارن تفاصيل النسيج بدقة مع صور ولقطات المباريات الحية.
وعلى سبيل المثال، استعانت دار "سوذبيز" بشركة "ريزولوشن فوتو ماتشينغ" للتأكد بشكل قاطع من أن قميص مارادونا المعروض هو نفسه الذي سجل به الهدفين التاريخيين، مستخدمين تقنيات المطابقة الضوئية، خاصة وأن النجم الأرجنتيني كان قد قام بتبديل قميصه خلال أشواط المباراة.
مفهوم الأصول الاستثمارية
يوضح تقرير صادر عن معهد المحللين الماليين المعتمدين عام 2025 أن المقتنيات الرياضية باتت تُعامل كفئة أصول استثمارية معترف بها قانونياً ومالياً.
وينقسم المستثمرون في هذه السوق إلى فئتين: مستثمرون استراتيجيون يركزون على اقتناء قطع النجوم الكبار لضمان استقرار الطلب ونمو القيمة تدريجياً بمرور الوقت، ومستثمرون مغامرون يراهنون مبكراً على بطاقات وقمصان اللاعبين الصاعدين أملاً في تحقيق مكاسب مضاعفة إذا ارتفعت شعبيتهم مستقبلاً. كما تتسع السوق لتشمل بطاقات اللاعبين النادرة وألبومات الملصقات والإصدارات المحدودة التي تستمد قيمتها من ندرتها العالية وحالة حفظها.
تحدي الرياضات الأمريكية
رغم الشعبية الجارفة لكرة القدم حول العالم، إلا أنها لا تزال تحاول اللحاق بالرياضات الأمريكية التي تهيمن تاريخياً على سوق المقتنيات النادرة.
ويتربع على صدارة القائمة العالمية قميص أسطورة البيسبول بيب روث من نهائي عام 1932 الذي بيع مقابل 24.1 مليون دولار عام 2024، تليه بطاقة اللاعب ميكي مانتل الصادرة عام 1952 والتي بيعت مقابل 12.6 مليون دولار، ثم قميص أسطورة كرة السلة مايكل جوردان من نهائي عام 1998 بقيمة 10.1 ملايين دولار.
ويعود هذا التفوق الأمريكي إلى الإرث التاريخي الممتد لأكثر من 150 عاماً في ثقافة جمع البطاقات الترويجية التي بدأت مع شركات التبغ في ستينيات القرن التاسع عشر.
قفزة نوعية مرتقبة
تتجه التوقعات إلى أن يمنح كأس العالم 2026 الجاري حالياً مقتنيات كرة القدم دفعة قوية وغير مسبوقة لتضييق الفجوة مع الرياضات الأمريكية.
وتستفيد اللعبة من إقامة البطولة على الأراضي الأمريكية، بالتزامن مع توسع قاعدة مشجعي كرة القدم في أمريكا الشمالية بنسبة تقارب 10.9% خلال السنوات الأخيرة لتتجاوز 136 مليون شخص وفقاً لبيانات "نيلسن".
هذا الاهتمام المتصاعد الذي نلمسه في المدرجات اليوم يفتح الباب على مصراعيه لظهور جيل جديد من الكنوز الرياضية؛ فالمواجهات التي تُلعب الآن تصنع تفاصيلها كنوز الغد التي سيتنافس عليها المستثمرون في العقود القادمة.

