

يواجه اتفاق وقف إطلاق النار الهش الساري في لبنان منذ 17 نيسان الماضي، شبح الانهيار الكامل تحت وطأة الهجمات البرية والجوية المستمرة من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي، والتي بلغت ذروتها بشن غارات عنيفة على قضاء النبطية وبنت جبيل وصيدا.
ويتزامن هذا التصعيد الميداني مع صدور تحقيق حقوقي موسع لمنظمة العفو الدولية يوثق اتساع رقعة ما يسمى "منطقة الدفاع الأمامي" الإسرائيلية لتغطي 6% من أراضي البلاد، معتبرة إجراءات إخلاء المدنيين ومنعهم من العودة نقلاً غير مشروع يرقى إلى "جريمة حرب".
توغل إسرائيلي بري في قضاء بنت جبيل والنبطية
واصلت القوات الإسرائيلية خروقاتها الميدانية لاتفاق وقف إطلاق النار في جنوب لبنان؛ حيث أفادت التقارير الميدانية بشن الطيران الحربي والمسيّر سلسلة غارات مكثفة، ترافق مع قصف مدفعي عنيف ركّز ليلًا وحتى الصباح على حرج "علي الطاهر" عند أطراف بلدة النبطية الفوقا، وسقوط قذائف عدة في محيط "مستشفى نبيه بري الحكومي"، وحيي "الميدان" و"الراهبات" في مدينة النبطية، بالإضافة إلى استهداف محيط دار المعلمين عند تقاطع النبطية - النبطية الفوقا، ومنطقتي القطراني وسجد في جزين.
وعلى الصعيد البري، رُصدت محاولات توغل لآليات إسرائيلية باتجاه بلدة "حداثا" التابعة لقضاء بنت جبيل، وسط معلومات عن محاولة تقدم أخرى عبر بلدة "كفرتبنيت" بقضاء النبطية والتي تعرضت أطرافها الشرقية ومحلة "الزفاتة – المنصورة" المجاورة لها لغارات جوية متتالية.
كما استهدف الطيران المسير بلدات المنصوري والعزية في قضاء صور بثلاث غارات أسفرت عن وقوع إصابات، واستهدفت غارة أخرى بلدة برعشيت في قضاء بنت جبيل، في حين سُجل إطلاق نار على سيارة عند أطراف كفرشوبا (محلة العين) أدى إلى سقوط جريح. وفي العاصمة بيروت وضاحيتها الجنوبية، استمر تحليق الطيران المسيّر والحربي بكثافة وعلى مستويات منخفضة منفذاً غارات وهمية فوق إقليم التفاح والنبطية.
مقتل مدنيين في ميفدون وشوكين
ففي بلدتي ميفدون وشوكين المجاورة، استهدفت الطائرات المسيّرة الإسرائيلية ثلاث سيارات مدنية، مما أسفر عن استشهاد أربعة مواطنين، ليرتفع العدد الإجمالي للقتلى منذ الإعلان عن الاتفاق الأمريكي - الإيراني لإنهاء الحرب بين البلدين إلى خمسة قتلى، وهي الحصيلة الأعلى منذ سريان الاتفاق.
وفي تداعيات ذلك، أصدرت بلدية "كفررمان" بياناً دعت فيه الأهالي إلى عدم التوجه إلى البلدة في الوقت الحاضر بانتظار صدور الموقف الرسمي من رئيس مجلس النواب نبيه بري، بينما توعد "مقر خاتم الأنبياء" الإيراني الجيش الإسرائيلي بـ"رد قاسٍ" إذا استمرت الهجمات، مؤكداً رصد 84 انتهاكاً إسرائيلياً لوقف إطلاق النار منذ صدور مذكرة التفاهم، وسط ضبابية تحيط بموقف تل أبيب وانتقادات مسؤوليها لتحذيرات الرئيس الأمريكي الداعية للالتزام بالانسحاب الشامل.
"العفو الدولية": تفريغ الجنوب وتوسيع منطقة "عدم العودة"
حقوقياً، أصدرت منظمة العفو الدولية تحقيقاً جديداً وشاملاً كشفت فيه أن الجيش الإسرائيلي وسّع جذرياً استخدامه لأوامر "الإخلاء الجماعي" و"عدم العودة" غير المشروعة في لبنان خلال عام 2026 مقارنة بعام 2024، معتبرة أن هذه الممارسات تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة، وترقى إلى مستوى "النقل غير المشروع" الذي يعد جريمة حرب.
وجاء في تقرير للمنظمة نشر اليوم أن جيش الاحتلال الإسرائيلي نشر خريطة بعد 3 أيام من وقف النار الصادر في 17 نيسان 2026، أسماها منطقة "الدفاع الأمامي" وتغطي 6% من مساحة لبنان (نحو 600 كم² برًا وبحرًا تضم 74 قرية)، مقارنة بـ 4.6% (480 كم² تضم 68 قرية) في خريطة تشرين الثاني/نوفمبر 2024.
وقال التقرير أن صور صور الأقمار الصناعية أظهرت بدقة إزالة وتسوية جميع المباني تقريبًا بالأرض على طول الخط الحدودي وتوسع التدمير الشديد إلى عمق أكبر لإفراغ أجزاء واسعة من الجنوب من سكانها وتدمير بنيتها الأساسية والزراعية (خاصة حقول الزيتون التي تشكل ثلث محصول لبنان).
وحلل مختبر أدلة الأزمات بالمنظمة بحسب التقرير 447 أمراً نُشر عبر حساب المتحدث الإسرائيلي على منصة "إكس" بين سبتمبر/أيلول 2024 و31 أيار 2026، من بينها 135 أمر "إخلاء جماعي" في عام 2026 وحده (76% منها وجهت لجنوب لبنان، و15% للضاحية الجنوبية، و5% للبقاع).
شهادات حية ومواقف سياسية حول التهجير
أشارت كريستين بيكرلي، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للمنظمة، إلى أن إسرائيل لم تقرن أوامرها بأي تدابير لضمان سلامة المدنيين أو تقديم إرشادات لمكان فرارهم، ولم تلغ هذه الأوامر قط حتى بعد توقف الأعمال القتالية، مطالبة المجتمع الدولي بالضغط لوقف مستدام للنار، وتعليق شحنات الأسلحة لإسرائيل، والسماح الفوري لمليون نازح بالعودة (وفقاً لإحصاءات وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية لعام 2026، مقارنة بـ 64 ألف نازح فقط عام 2024).
وفي ردّ للجيش الإسرائيلي على المنظمة، زعم عدم إصدار أوامر إلزامية واصفاً إياها بـ"التوصيات التحذيرية"، مدعياً عدم وجود حظر على العودة، وهو ما ناقضه تصريح وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس في 15 حزيران الحالي، والذي أكد فيه أن القوات الإسرائيلية "ستبقى في المناطق الأمنية في لبنان وسوريا وغزة دون حد زمني"، وأن هذه القرى الحدودية "سيجري إخلاؤها من السكان المحليين ومن البنى التحتية".
ونقل التقرير شهادات مأساوية لنازحين وصفن فيها الانهيار الممنهج للخدمات، وتجريف المقابر القديمة، واضطرارهن لاستجداء أذونات مدتها 10 دقائق فقط تحت تحليق المسيّرات لدفن أقاربهن في بلدات خالية تماماً من أي معالم للحياة. يذكر أن وزارة الصحة اللبنانية وثقت مقتل أكثر من 3,700 شخص منذ تصاعد حدة الحرب في 2 آذار وحتى 12 حزيران 2026 جراء استمرار تبادل الهجمات.

