
"حرب الذكاء الاصطناعي بدأت".. غضب أوروبي من قيود ترامب على حظر النماذج المتقدمة

تشهد العلاقات الأوروبية - الأمريكية توتراً تكنولوجياً متصاعداً على خلفية دخول قطاع التقنيات فائقة التطور مرحلة "الحرب الباردة"، فبموجب توجيهات إلزامية مشددة من إدارة الرئيس دونالد ترامب، فرضت واشنطن قيوداً غير مسبوقة تمنع غير حاملي الجنسية الأمريكية – بمن فيهم الحلفاء الأوروبيون وموظفو الشركات الأجانب – من الوصول إلى أحدث نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة.
وتثير هذه الخطوة الحمائية مخاوف عميقة في بروكسل وباريس من تحول التكنولوجيا الأجنبية إلى أداة ابتزاز ونفوذ استراتيجي، وسط انقسام تقني بين حتمية ضبط الأمن القومي وخطر خنق الابتكار العالمي المعزز للدفاعات السيبرانية.
قيود أمريكية مستجدة تطال الحلفاء الأوروبيين
انتقد أكاديميون وسياسيون أوروبيون القيود الأمريكية الجديدة المفروضة على نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، معتبرين أنها تمثّل تحولاً خطيراً في العلاقة بين المواطنة والتكنولوجيا، وإعادة تعريف لمن يحق له المشاركة في الاقتصاد الرقمي المتقدم.
ولم يقتصر نطاق القيود الحمائية التي فرضتها واشنطن على الدول المصنفة كخصوم استراتيجيين للولايات المتحدة مثل الصين أو روسيا، بل امتد بشكل مفاجئ ليشمل مواطني الدول الأوروبية والحلفاء التقليديين لواشنطن.
وبحسب وسائل اعلام أوروبية فقد جاءت هذه المواقف الغاضبة في سياق قرار الإدارة الأمريكية تقييد وصول غير الأمريكيين إلى أحدث نماذج شركة "أنثروبيك" (Anthropic)، والمعروفة داخلياً باسم "Mythos 5" و"Fable 5"؛ حيث جرى تعطيلها وتقييد الوصول إليها لمنع استخدامها من قبل غير المواطنين الأمريكيين، بما في ذلك موظفو الشركة الأجانب أنفسهم، امتثالاً لتوجيه مباشر صادر عن إدارة ترامب.
ونشرت منصات قانونية أوروبية بارزة تحليلات وصفت القرار بأنه بمثابة "حظر للمستقبل"، مشيرة إلى أن الجنسية الأوروبية – في حال عدم اقترانها بجنسية أمريكية أو استثناء خاص – أصبحت عائقاً أمام الوصول إلى تقنيات تُعد في صميم التطور التخطيطي والتكنولوجي العالمي.
فرنسا تحذر التكنولوجيا الأجنبية نقطة ضعف أمنية
وفي ردود الفعل السياسية، حذّر رئيس الوزراء الفرنسي السابق والمرشح الرئاسي غابرييل أتال من دخول العالم مرحلة "حرب تكنولوجية" متصاعدة تعكس احتدام التنافس الجيوسياسي حول السيطرة على التقنيات الأكثر قراءة للمستقبل.
وقال أتال: إن ما يشهده العالم اليوم "لا يمكن اعتباره مجرد تنظيم تقني عادي"، مؤكداً بصورة قاطعة أن "حرب الذكاء الاصطناعي بدأت بالفعل".
وأشار إلى أن القيود الأمريكية الجديدة تمثل دليلاً ملموساً على أن الاعتماد الأوروبي المستمر على التكنولوجيا الأجنبية قد يتحول في أي لحظة إلى نقطة ضعف سياسية وأمنية قاتلة للقارة العجوز، وهي الأصوات التي وصفت الحادثة بأنها "بداية حرب تكنولوجية باردة جديدة" تعيد تشكيل قواعد المنافسة في قطاع سيحدد موازين القوة الاقتصادية والأمنية في العقود المقبلة.
تبريرات واشنطن
في المقابل، برّرت واشنطن قرارها الإلزامي باعتبارات قاطعة تتعلق بالأمن القومي، مشيرة إلى مخاوف استخباراتية وفنية من أن نماذج "Mythos 5" و"Fable 5" تمتلك قدرات متطورة للغاية في اكتشاف الثغرات السيبرانية وتطوير أدوات هجومية معقدة قد تُستغل في شن هجمات إلكترونية واسعة النطاق على البنية التحتية الحيوية.
وتُعد هذه الخطوة الأوسع والأكثر صرامة حتى الآن في مجال تقييد الوصول إلى الأنظمة الرائدة.
من جانبها، أعربت شركة Anthropic عن اعتراضها الرسمي على آلية تنفيذ القرار، مؤكدة أنها تلقت التوجيه الحكومي دون توضيح كافٍ أو تفسير للأسس الأمنية التي بني عليها، واصفة الإجراء بأنه لا يتماشى مع مبادئ الشفافية والوضوح التقني المعمول بها.
واعتبرت الشركة أن ما حدث قد يكون نتيجة “سوء فهم” تنظيمي، معربة عن أملها في استعادة وصول طواقمها ونظيراتها الأوروبية إلى النماذج في أقرب وقت ممكن.
ودافعت الإدارة الأمريكية عن توجهها عبر إطار تنظيمي جديد يهدف إلى فحص "النماذج الرائدة" المتقدمة (مثل ChatGPT وClaude وLlama القادرة على الاستدلال واستخدام الأدوات بشكل مستقل) قبل إطلاقها، مع إمكانية إطلاع الحكومة عليها مسبقاً لتقييم المخاطر، بالرغم من أن هذا الإطار يبقى -وفق نصوصه الحالية- طوعياً للشركات ولا يفرض نظام ترخيص إلزامياً شاملاً.
تحذيرات من الصعود الصيني
وتزامناً مع الأزمة، دعا أكثر من 100 خبير في الأمن السيبراني – من بينهم مختصون يعملون لدى عملاقين تكنولوجيين هما Nvidia وAdobe – الإدارة الأمريكية إلى تخفيف هذه القيود فوراً.
وحذر الخبراء في بيان مشترك من أن منع حلفاء واشنطن ومختصيها من الوصول إلى هذه النماذج قد يضعف القدرات الدفاعية الغربية الجماعية أكثر مما يحميها، مؤكدين أن الدول المنافسة، وفي مقدمتها الصين، لا تبعد سوى أشهر قليلة فقط عن تطوير قدرات تكنولوجية مماثلة، وربما تمتلك بالفعل وصولاً إلى أنظمة أكثر تطوراً مما هو معلن عنه داخلياً.
ويشير خبراء أكاديميون إلى أن هذا الصراع يجسد ما يُعرف بـ "معضلة الأدلة"؛ حيث يؤدي التحرك البطيء للحكومات إلى مخاطر أمنية وجودية، بينما يؤدي التشدد المفرط والمنع القومي إلى خنق الابتكار. وتأتي هذه التطورات في ظل فجوة متنامية في الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي وغياب إطار دولي ملزم، برغم عقد عدة قمم دولية لسلامة الذكاء الاصطناعي في عواصم مختلفة خلال السنوات الأخيرة.

