

بدأت تركيا في تنفيذ أحد أكثر مشاريعها الجيوسياسية والعسكرية طموحاً خارج حدودها، عبر تشييد قاعدة فضائية وعسكرية متطورة في مدينة "ورشيخ" الساحلية الواقعة على بعد 70 كيلومتراً شمال العاصمة الصومالية مقديشو.
وتؤكد أنقرة رسمياً أن الهدف الأساسي من المنشأة المطلة على المحيط الهندي يتلخص في إطلاق الأقمار الصناعية التجارية والعلمية ضمن برنامجها الفضائي الوطني، إلا أن تقارير استخباراتية وعسكرية غربية كشفت عن أبعاد عسكرية للمشروع تشمل إمكانية تحويل الموقع إلى ميدان حيوي لاختبار الصواريخ الباليستية التركية بعيدة المدى.
صور الأقمار الصناعية وكواليس البناء
كشفت بيانات وصور الأقمار الصناعية التي نشرتها صحيفة "لوموند" الفرنسية عن بدء أعمال البناء التمهيدية في الموقع منذ تشرين الأول الماضي، حيث ظهر تصاعد نمو المنشآت هندسياً بإنشاء مهبط للمروحيات وسياج أمني محيط، تلاه تشييد ثكنات عسكرية ومستودع ضخم محصن تحت الأرض. وتخطط السلطات التركية لإنجاز المرحلة الأولى من الميناء الفضائي بحلول صيف عام 2027 وبتكلفة إجمالية تُقدر بنحو 350 مليون دولار؛ حيث تطمح أنقرة أيضاً لجني عوائد اقتصادية من خلال فتح المنصة لإطلاق الأقمار الصناعية لحساب دول أخرى.
وأوضحت المعطيات الفنية أن اختيار الجغرافيا الصومالية لتشييد القاعدة استند إلى اعتبارات علمية فائقة إلى جانب التحالف السياسي؛ إذ يوفر قرب الموقع من خط الاستواء ميزة هندسية تقلل من استهلاك الوقود الحيوي للصواريخ وتزيد من الحمولة القصوى للمركبات الفضائية المتجهة نحو المدارات العليا.
فضلاً عن ذلك، يسمح الموقع الساحلي الممتد بسقوط مخلفات عوادم الإطلاق والمراحل الصاروخية بأمان كامل داخل مياه المحيط الهندي دون تشكيل خطورة على المناطق الآهلة بالسكان.
قلق إسرائيلي وتحذيرات جيروزاليم بوست
حذّرت صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية من التداعيات الاستراتيجية للمشروع، معتبرة أن هذه القدرات الصاروخية والفضائية الجديدة ستضع معظم أراضي القارة الأفريقية ومنطقة الشرق الأوسط في مرمى الصواريخ الباليستية التركية المطورة حديثاً.
وأعربت الدوائر الأمنية في إسرائيل عن تخوفها من قدرة أنقرة على استخدام الموقع لتثبيت قوتها العسكرية في محيط إقليم "صوماليلاند" (أرض الصومال) الذي يحظى بدعم عسكري وأمني إسرائيلي، مما يجعله مباشرة تحت طائلة الردع والنفوذ التركي المحتمل في قطاع الممرات البحرية.
تتويج لـ 15 عاماً من النفوذ التركي
وأشارتمصادر استخبارية غريبة إلى أن هذا الميناء الفضائي العسكري يمثل التتويج الأبرز لمسيرة امتدت 15 عاماً من التوسع التركي "الناعم والصلب" في الصومال، والتي بدأت منذ زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان لمقديشو عام 2011 إبان أزمة الحرب الأهلية والمجاعة.
وقالت المصادر الغربية رسخت أنقرة طوال العقد الماضي حضورها بإنشاء أكبر سفارة لها في الخارج وقاعدة "توركسوم" العسكرية المخصصة لتدريب النخبة في الجيش الصومالي؛ وهو النفوذ الذي صعد بقوة عقب اتفاقية عام 2024 لمنح البحرية التركية حق حماية المياه الإقليمية الصومالية مقابل 30% من العائدات البحرية وامتيازات التنقيب عن النفط، مدعوماً بتزويد مقديشو بمقاتلات "F-16" ودبابات "M-48" ومنظومات دفاع جوي متطورة.

