

شهدت الأسواق المالية العالمية في تعاملات اليوم الجمعة موجة تقلبات حادة أعادت رسم اتجاهات الأسهم والسلع والمعادن الثمينة، مدفوعة ببيانات تضخم أميركية مستجدة وعراقيل لوجستية طارئة في الممرات المائية الحيوية.
وفيما واجهت أسواق النفط خسائر أسبوعية رغم القفزات المؤقتة الناجمة عن التوترات في مضيق هرمز ومخاوف الإمدادات من فنزويلا، استقر الذهب في نطاق ضيق فوق حاجز الـ 4000 دولار تحت ضغط الدولار القوي، بالتزامن مع تراجع جماعي ضرب أسهم التكنولوجيا في وول ستريت وامتدت مفاعيله بعنف إلى البورصات الآسيوية بقيادة اليابان وكوريا الجنوبية.
تقلبات حادة في أسواق النفط
تراجعت أسعار النفط في تعاملات اليوم الجمعة متجهة نحو تسجيل خسائر أسبوعية حادة مع انحسار جزء من علاوة المخاطر الجيوسياسية، حيث هبطت العقود الآجلة لخام برنت القياسي بنسبة 2.29% لتصل إلى 73.54 دولاراً للبرميل، في حين انخفض خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 2.41% ليسجل 70.18 دولاراً للبرميل.
وجاء هذا التراجع بعد موجة صعود قوية تجاوزت 2% في الجلسة السابقة، إثر إصابة سفينة شحن بقذيفة مجهولة بالقرب من سلطنة عُمان؛ حيث نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤولين أميركيين أن طهران أطلقت النار على السفينة أثناء عبورها المضيق، مما دفع المنظمة البحرية الدولية لتعليق برنامج الإجلاء الطوعي للسفن.
ومن جهة أخرى، أفادت تقارير الشحن بأن تدفقات النفط عبر مضيق هرمز ارتفعت هذا الأسبوع لأعلى مستوياتها منذ اندلاع الصراع في 28 شباط الماضي مستفيدة من اتفاقات التهدئة، إلا أن المرور لا يزال جزئياً ويمثل جزءاً محدوداً من المتوسط اليومي البالغ 125 سفينة قبل الصراع للممر الذي ينقل 20% من الاستهلاك العالمي.
وتزامنت هذه التطورات مع صدور تقييمات أولية لقطاع التكرير والنفط في فنزويلا تؤكد أن الأضرار المباشرة في المنشآت الكبرى جراء الزلزالين اللذين ضربا البلاد لا تزال محدودة، برغم تسبب انقطاعات الكهرباء في إثارة شكوك حول قدرة كاراكاس على الحفاظ على إنتاجها البالغ 1.2 مليون برميل يومياً.
الذهب يتحصن فوق حاجز الـ 4000 دولار
سجلت أسعار الذهب في المعاملات الفورية ارتداداً محدوداً بنسبة 0.24% لتصل إلى 4036.78 دولاراً للأوقية، متحركة في نطاق ضيق بعد أن تراجعت في وقت سابق من الأسبوع دون مستوى 4000 دولار للمرة الأولى منذ تشرين اول 2025، في حين استقرت الفضة قرب 57.97 دولاراً للأوقية.
وأكدت التقارير أن المعدن الأصفر يتجه لتسجيل خسارة أسبوعية رابعة على التوالي تحت ضغط مؤشر الدولار الذي استقر عند 101.41 نقطة محتفظاً بأعلى مستوياته منذ أيار 2025، مدفوعاً ببيانات مكتب التحليل الاقتصادي الأميركي التي أظهرت قفزة في مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي إلى 4.1% على أساس سنوي في مايو مقارنة بـ 3.8% في نيسان، مما يعزز التوقعات بتشديد السياسة النقدية الأمريكية وإبقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
بنوك صينية كبرى تكبح تداولات الأفراد وإدارة حازمة للمخاطر
وفي سياق متصل بتداولات المعادن الثمينة، كشفت وكالة "بلومبرغ" عن تحركات تنظيمية صارمة من بنوك صينية كبرى لإغلاق خدمات تداول المعادن النفيسة للأفراد لكبح التقلبات وعمليات التسييل القسري؛ حيث يعتزم بنك الصين الصناعي والتجاري (ICBC) وقف خدمات الوساطة للأفراد في بورصة شنغهاي للذهب بحلول 24 تموز المقبل، بالتزامن مع إلزام بنك "غوانغجو" للعملاء بتصفية مراكزهم لتجنب المخاطر.
ورغم هذه الضغوط وتخفيض بنوك عالمية مثل "غولدمان ساكس" و"يو بي إس" لتوقعاتهما لأسعار الذهب بنهاية العام إلى 4900 و5500 دولار على التوالي، أكد مسح مجلس الذهب العالمي أن مشتريات البنوك المركزية تظل الدعامة الهيكلية الكبرى للسوق بواقع 1000 طن سنوياً، وسط توقعات 74% من المشاركين بانخفاض حصة الدولار في الاحتياطيات العالمية خلال خمس سنوات.
موجة بيع تضرب أسهم التكنولوجيا
أغلقت الأسهم المرتبطة بقطاع التكنولوجيا في وول ستريت بنهاية تعاملات الأمس على انخفاض واضح، حيث تراجع مؤشر "ناسداك" المجمع بمقدار 120.07 نقطة أو بنسبة 0.47% ليغلق عند 25,358.60 نقطة، بضغط مباشر من تراجع أسهم الشركات القيادية الأربع الكبرى "آبل، وإنفيديا، ومايكروسوفت، وألفابت".
وجاء هذا التراجع بعد أن قرأ المتعاملون نتائج شركة "ميكرون" القوية ودلائل ارتفاع كلفة رقائق الذاكرة والتخزين بوصفها عبئاً مالياً ستتحمله الشركات المطورة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، مما قاد مؤشر "ستاندرد آند برو 500" للاستقرار بتراجع طفيف بنسبة 0.01%، بينما شذ مؤشر "داو جونز" الصناعي عن المسار مرتفعاً بنسبة 0.17%.
وعلى الصعيد الآسيوي، امتدت موجة البيع العنيفة لتضرب البورصات الإقليمية صباح اليوم الجمعة؛ حيث أغلق مؤشر "نيكي" الياباني منخفضاً بنسبة حادة بلغت 4.15% مسجلاً تراجعاً قاسياً بعد يوم واحد من تحقيقه أعلى مستوى إغلاق تاريخي له، وقاد سهم مجموعة "سوفت بنك" الخسائر تلو تقارير عن احتمال تأجيل الطرح العام لشركة "OpenAI" إلى العام المقبل.
وفي كوريا الجنوبية، أعلن مؤشر "كوسبي" عن هبوط حاد بنسبة 5.8% مدفوعاً بعمليات جني أرباح واسعة على أسهم أشباه الموصلات العملاقة مثل "سامسونغ إلكترونيكس" و"إس كيه هاينكس"، بينما لحقت بهما الأسواق الصينية بتراجع مؤشر "شنغهاي" بنسبة 2.09% ومؤشر "هانغ سنغ" في هونغ كونغ بنسبة 1.93%، في حين أغلقت البورصات الهندية أبوابها بسب عطلة رسمية.
تأتي هذه التحركات والاضطرابات المتزامنة في أسواق المال العالمية لتؤكد مدى حساسية أسهم التكنولوجيا والنمو لبيانات التضخم الأميركية السنوية التي بلغت 4.1%؛ إذ يعيد ارتفاع التضخم تسعير عوائد السندات ويزيد من كلفة تمويل المشاريع المستقبلية للذكاء الاصطناعي.
وتتكامل هذه الضغوط المالية مع مشهد شحن معقد في مضيق هرمز عقب الهجوم الأخير؛ فرغم أن صادرات النفط سجلت هذا الأسبوع أعلى مستوياتها منذ بدء العمليات العسكرية في 28 فبراير، إلا أن عودة الناقلات لا تزال تواجه مخاوف أمنية جمة دفعت أسواق الصرف لدفع الدولار نحو ذرى جديدة ليحوم الين الياباني قرب أدنى مستوياته منذ عام 1986 عند 161.69 يناً للدولار، مما يضع صناع السياسة النقدية عالمياً أمام شروط تداول بالغة التعقيد في النصف الثاني من العام.

