

فجّرت صحيفة "وول ستريت جورنال" مفاجأة من العيار الثقيل بنشرها تقريراً يستند إلى مصادر أميركية، أكدت فيه قيام "إسرائيل" بإنشاء قاعدة عسكرية سرية في صحراء الأنبار العراقية.
وبحسب تقرير الصحيفة تهدف هذه المنشأة، التي أُسست في شباط الماضي قبيل اندلاع المواجهة المباشرة مع إيران بحسب المصدر الأمريكي، إلى توفير غطاء جوي وتأمين عمليات لوجستية متقدمة في العمق.
وتضم القاعدة وحدات من النخبة الإسرائيلية، تشمل قوات خاصة وفرق بحث وإنقاذ، صُممت خصيصاً للتعامل مع السيناريوهات الحرجة، مثل سقوط طائرات حربية داخل الأراضي الإيرانية.
حادثة "أصفهان" واختبار الجاهزية
وفقاً للتقارير الأمريكية، دخلت المنشأة السرية "خدمة العمليات" فعلياً عقب سقوط مقاتلة أميركية من طراز F-15 قرب مدينة أصفهان الإيرانية.
وقالت الصحيفة نقلا عن المصادر الأمريكية أنه في لحظة فارقة، عرضت تل أبيب تدخل وحدات الإنقاذ المتمركزة في الأنبار للمساعدة، إلا أن القوات الأميركية رفضت العرض وفضلت تنفيذ عملية الإنقاذ بشكل مستقل.
وفي تلك الأثناء، شنت الطائرات الإسرائيلية غارات موازية لتأمين الميدان ومنع أي اقتراب من حطام الطائرة الأميركية.
راعي أغنام يكتشف القاعدة
وبحسب الصحيفة أن المثير للجدل هو أن اكتشاف القاعدة لم يتم عبر الأقمار الصناعية أو أجهزة الاستخبارات العراقية، بل جاء بمحض الصدفة عبر "راعي أغنام" في المنطقة.
ورصد الراعي نشاطاً عسكرياً مريباً تضمن هبوط مروحيات وإطلاق نار كثيف، مما دفعه لإبلاغ السلطات المحلية.
ومع بدء التحقيقات العراقية العاجلة، بادرت إسرائيل بشن غارات مكثفة للتغطية على انسحاب أو إخفاء معالم الموقع، مما أسفر عن مقتل جندي عراقي وتصاعد التوتر الدبلوماسي بين بغداد وواشنطن.
وأشارت صحيفة "وول ستريت جورنال" إلى أن هذه التطورات أثارت موجة من القلق داخل المؤسسة العسكرية العراقية؛ حيث وصف نائب قائد عمليات الجيش، قيس المحمداوي، العملية بأنها "متهورة ونُفذت دون تنسيق".
ومن جانبه، أقر مسؤول عسكري عراقي بوجود "قوة غامضة" كانت تعمل على الأرض خارج قدرات الرصد المحلية، ومدعومة بجهد جوي خارجي.
وتزامن ذلك مع تصريحات رئيس أركان سلاح الجو الإسرائيلي، تومر بار، الذي ألمح إلى تنفيذ قواته لـ "عمليات استثنائية" في سياق المواجهة مع طهران.
البرلمان يقرر استدعاء وزيري الدفاع والداخلية
وفي السياق، قال مسؤول عراقي في العاصمة بغداد، للـ"العربي الجديد"، إن البرلمان قرر استدعاء وزيري الدفاع والداخلية، للوقوف على حقيقة تقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية، تحدثت فيه عن قاعدة إسرائيلية في صحراء النجف على مقربة من الحدود العراقية السعودية، استخدمتها خلال العدوان على إيران لتكون قاعدة إسناد للعمليات العسكرية.
بدوره قال مسؤول عراقي في هيئة رئاسة البرلمان ببغداد للصحيفة: إن البرلمان سيستدعي وزيري الدفاع والداخلية وقيادات أمنية معنية بالوضع الميداني لبحث الموضوع. لكنه أشار، في الوقت ذاته، إلى أن قيادة العمليات المشتركة أكدت وقوع هجوم في الرابع من آذار الماضي على قوة للجيش العراقي في صحراء النخيب بين الأنبار والنجف بمحاذاة السعودية، لدى اقترابها من موقع يضم قوة غير معروفة، لكن التقديرات اتجهت إلى أنها قوة أميركية، وضمن سلسلة اعتداءات نفذتها استهدفت الحشد الشعبي وطاولت أيضاً قوات الجيش العراقي وحرس الحدود.
وأعرب المسؤول العراقي عن اعتقاده بأن الأجهزة المعنية العراقية اكتشفت الموضوع، لكنها كانت تعتقد أن القوة أميركية وتعمل ضمن غطاء التحالف الدولي.
فيما أكد مسؤول أمني عراقي في بغداد أن الحكومة ستصدر توضيحات حول الموضوع في وقت لاحق من هذا اليوم، دون أي تفاصيل أخرى، لكنه أكد، في الوقت ذاته، أن الموقع الذي تحدثت عنه الصحيفة "نظيف"، في إشارة إلى عدم وجود أي قوة فيه في الوقت الحالي.
من جهته، اتهم النائب في البرلمان العراقي، رائد المالكي، في منشور على "فسبوك"، الولايات المتحدة بأنها سلّمت الأجواء العراقية أثناء الحرب للاحتلال الإسرائيلي، في تعليق له على تقرير إنشاء موقع عسكري إسرائيلي في العراق خلال العدوان على إيران. وأضاف أن "الولايات المتحدة سلّمت الكيان الأجواء العراقية أثناء الحرب وأمرت بإيقاف الرادارات. الآن اتضح أن هناك استخداماً للأراضي أيضاً لإنشاء مركز أو قاعدة استخباراتية سرية للكيان"، واصفاً ذلك بأنه "خرق كبير يجب أن تُسأل عنه جميع الجهات الاستخباراتية والأمنية الوطنية".
لماذا صحراء الأنبار تحديداً؟
أوضح خبراء استخباراتيون أن اختيار إسرائيل لإقامة قاعدة دعم لها غرب العراق لم يكن عشوائياً، بل استند إلى عدة عوامل أبرزها الاتساع الجغرافي حيث تغطي الصحراء نحو 23% من مساحة العراق، مما يوفر مساحات شاسعة للاختباء.
إضافة الى العزلة السكانية حيث ندرة السكان وجفاف المنطقة يجعلان من رصد التحركات العسكرية أمراً بالغ الصعوبة، ناهيك عن الموقع الاستراتيجي إذ تمتد الصحراء من غرب الفرات لتتصل بحدود سوريا والأردن، مما يجعلها منصة انطلاق مثالية نحو العمق الإيراني.
وتشير المصادر إلى غنى هذه الصحراء بالثروات الطبيعية وتضم المنطقة مدناً مثل القائم والرطبة، وتحوي احتياطات هائلة من الفوسفات (ملياري طن)، والغاز الطبيعي، مما يجعل أي نشاط عسكري فيها يتقاطع مع مصالح اقتصادية كبرى.
كما تُشير تحليلات "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" (The Washington Institute) إلى أن الربط الجغرافي بين صحراء الأنبار والبادية السورية يمثل "الممر البري" الأهم للإمدادات الإقليمية.
لذا، فإن السيطرة على هذا الفراغ الجغرافي لا تعني فقط السيطرة على 23% من مساحة العراق، بل تعني التحكم في واحدة من أهم عقد المواصلات العسكرية واللوجستية في الشرق الأوسط، وهو ما يفسر لماذا أصبحت "الصحراء العراقية تحديداً" هي محور الخبر والحدث.
التوازن الهش في مشهد معقد
تضع هذه الواقعة حكومة بغداد في موقف حرج؛ فهي تسعى للحفاظ على توازنها بين واشنطن وطهران في ظل ضغوط أميركية مستمرة لنزع سلاح الفصائل المدعومة إيرانياً.
ومع تحول الصحراء الغربية إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، تبدو سيادة العراق أمام اختبار حقيقي، خاصة مع تحذيرات "معهد واشنطن" (The Washington Institute) من أن سيطرة أي طرف على هذا الفراغ الجغرافي تعني التحكم في أهم عقد المواصلات العسكرية في الشرق الأوسط.

