

أعلن بنك السودان المركزي اليوم الأحد 5 تموز رسمياً سحب 6 فئات نقدية من التداول في الأسواق المحلية، واضعاً خطة قانونية لإعادة تنظيم التركيبة الفئوية للعملة الوطنية بما يتناسب مع المتغيرات الاقتصادية الحادة التي تشهدها البلاد.
ووفقاً للبيان الصادر عن البنك، فإن القرار يشمل الأوراق النقدية من فئات: الجنيه الواحد، الجنيهين، 5 جنيهات، 10 جنيهات، 20 جنيهاً، و50 جنيهاً.
وحثّ البنك جمهور المتعاملين على الالتزام بالمهلة الزمنية المحددة بثلاثة أشهر لاستبدال هذه الفئات، مشيراً إلى أن صلاحيتها القانونية للتداول ستنتهي تماماً بحلول الثلاثين من يوليو/تموز 2026.
آلية الاستبدال والضمانات الأمنية
حدّد البنك المركزي السوداني آليات صارمة لعملية سحب العملات؛ حيث أوضح أن استبدال الفئات الملغاة سيتم حصراً عن طريق إيداعها في الحسابات المصرفية المفتوحة لدى فروع المصارف التجارية وبقيمتها الاسمية، دون السماح نهائياً بأي عمليات استبدال نقدي مباشر (كاش).
وأكد البنك أن القرار الذي نُشر في الجريدة الرسمية يعاد تذكير الجمهور به لضمان إسقاط الصفة القانونية والإبراء للذمة عن تلك الفئات فور انقضاء المهلة. وفي خطوة لطمأنة المواطنين، تعهد المركزي بضمان حقوق حاملي هذه الفئات في الولايات التي تعاني من أوضاع أمنية متدهورة أو تعطل في النظام المصرفي، مؤكداً استرداد قيمتها وفق تدابير استثنائية ستعلن لاحقاً.
مسار تهاوي الجنيه السوداني
ارتبط قرار سحب الفئات الصغيرة بالتراجع التاريخي والحاد في القوة الشرائية للجنيه السوداني؛ فقبل اندلاع الحرب الدامية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، كان سعر صرف الدولار الأمريكي يستقر عند عتبة 600 جنيه سوداني.
ومع تحول الصراع المسلح إلى حرب استنزاف للمؤسسات، انهار النظام المالي ليتجاوز سعر صرف الدولار حاجز 5 آلاف جنيه في السوق الموازية.
وأشارت المصادر الاقتصادية السودانية أن هذا التضخم المفرط جعل الفئات النقدية الصغيرة (دون الـ100 جنيه) عديمة القيمة الفعلية في المعاملات اليومية، وتحولت إلى عبء إداري وتخزيني على المصارف، مما دفع الدولة لإلغائها رسمياً والتركيز على الفئات الكبرى.
الانقسام المؤسسي وتدفق العملات المجهولة
وبحسب المصادر الاقتصادية السودانية، فقد تعمّقت التحديات الاقتصادية عقب رصد تداول كميات ضخمة من الجنيهات السودانية المطبوعة حديثاً في الأسواق والمناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع.
وأثارت هذه السيولة النقدية تساؤلات معقدة حول مصادر طباعتها والجهات الدولية أو المحلية المهندسة لتدفقها، مما سلّط الضوء على سيناريو الانقسام المالي الكلي في البلاد.
وأشارت المصادر إلى تزامن ظهور هذه الأموال مع مساعي قوات الدعم السريع -التي تسيطر على أجزاء واسعة من دارفور وأجزاء من كردفان والعاصمة- لتثبيت سلطة أمر واقع عبر ما يُعرف بـ"تحالف السودان التأسيسي – تأسيس"، وهو الكيان الذي يحاول إدارة الخدمات العامة وصرف رواتب الموظفين بشكل مستقل عن الحكومة المركزية في بورتسودان.
تداعيات الكارثة الإنسانية والاقتصادية
خلّفت الحرب المستمرة واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية على مستوى العالم؛ إذ تشير التقديرات الدولية إلى مقتل عشرات الآلاف من المدنيين، ونزوح ولجوء نحو 13 مليون شخص داخلياً وخارجياً.
وأدى تدمير البنية التحتية الصناعية والمصرفية في الخرطوم ومدن الجزيرة إلى شلل شبه كامل في الإيرادات العامة للدولة، وانخفاض الصادرات، وتوقف الإنتاج الزراعي، مما يجعل من خطوة البنك المركزي محاولة أخيرة للسيطرة على الكتلة النقدية المتداولة وكبح جماح التزوير والعملات الموازية التي تغذي اقتصاد الحرب.

