
بدء الانتخاببات التشريعية في أرمينيا وسط استقطاب حاد بين المتنافسين

توجهَ الناخبون الأرمن صباح اليوم الأحد إلى صناديق الاقتراع للمشاركة في انتخابات تشريعية ومصيرية ستحدد معالم السياسة الخارجية لبلادهم ومستقبل التوازنات الأمنية في منطقة جنوب القوقاز.
وتأتي هذه الانتخابات وسط مواجهة دبلوماسية متصاعدة بين روسيا والقوى الغربية، في وقت حذرت فيه موسكو يريفان من الانزلاق نحو "السيناريو الأوكراني".
ويواجه رئيس الوزراء الحالي نيكول باشينيان وحزبه الوسطي "العقد المدني" منافسة من قوى معارضة مجزأة وموالية للكرملين، يقودها الملياردير الروسي الأرمني سامفيل كارابتيان -الذي يخوض السباق من تحت الإقامة الجبرية- برفقته الرئيس السابق روبرت كوتشاريان عبر حزب "أرمينيا القوية".
وشهدتْ الساعات التي سبقت بدء عملية التصويت توترات أمنية وقضائية متسارعة، حيث أوقفت لجنة التحقيق الأرمنية يوم أمس السبت ستة مرشحين من حزب "أرمينيا القوية" المعارض، عقب نيلها تفويضاً قضائياً من اللجنة المركزية للانتخابات للتحقيق في اتهامات ترتبط بغسل الأموال وتقديم رشى وحوافز مادية للناخبين.
وتزامن ذلك مع تقارير إعلامية رصدت تدفقاً حاداً ومفاجئاً للمواطنين الأرمن القادمين من روسيا إلى العاصمة يريفان للمشاركة في الاقتراع، وسط اتهامات وجهتها منظمات مجتمع مدني محلية لموسكو بقيادة حملات تضليل واسعة للتأثير في إرادة الناخبين، وهي معطيات نفتها الحكومة الروسية جملة وتفصيلاً.
دعم غربي وأميركي صريح وموازنة الضغوط الاقتصادية
وفي السياق، اصطفَّ الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية في الأيام الأخيرة للحملة الانتخابية خلف رئيس الوزراء نيكول باشينيان، داعمين مساعيه الرامية لإعادة توجيه البوصلة الإستراتيجية للدولة السوفياتية السابقة نحو العواصم الغربية.
وأعلنت المفوضية الأوروبية وقوفها الحازم إلى جانب يريفان عبر حزمة دعم مالي واقتصادي صُممت خصيصاً لامتصاص آثار العقوبات والقيود التجارية التي بدأت موسكو فرضها على الصادرات الأرمنية.
وقالت رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين إن الكرملين يحول العلاقات الاقتصادية إلى سلاح للضغط السياسي، مؤكدة أن أوروبا لن تترك أرمينيا وحيدة في هذا المنعطف التنموي.
ترامب يؤيد باشينيان
ودخلَ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على خط الأزمة بشكل غير مسبوق، موجهاً دعوة علنية للأرمن لإعادة انتخاب باشينيان تحت شعار "Make Armenia Great Again".
وأكد ترامب دعمه الكامل لرئيس الوزراء الأرمني، واصفاً إياه بالصديق والقائد الكبير الذي يتشارك مع واشنطن رؤية السلام والازدهار في القوقاز.
وأشار الرئيس الأمريكي إلى أن اتفاق السلام التاريخي الذي وقعه باشينيان مع الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف في البيت الأبيض العام الماضي مهد الطريق لتدفق استثمارات أمريكية ضخمة، وهي المرة الأولى التي يتدخل فيها رئيس أمريكي بتأييد صريح لمرشح في عمق منطقة النفوذ التاريخي لروسيا.
دفاع باشينيان عن اتفاق السلام
خاضَ رئيس الوزراء نيكول باشينيان حملة انتخابية اتسمت بالجرأة والاندفاع، معتبراً أن مستقبل الدولة الأرمنية وهويتها هما المحرك الأساسي لهذه الانتخابات.
ودافع باشينيان علناً عن قراره بالتخلي عن إقليم ناغورني كاراباخ وإبرام اتفاق السلام مع أذربيجان، معتبراً أن هذا القرار كان أعظم خدمة قدمها للبلاد لتجنيبها فخاً عسكرياً كان سيقضي على كيان الدولة.
وأوضح أمام حشوده الانتخابية أن الوقت قد حان لتوريث الأجيال القادمة سلاماً مستداماً بدلاً من الجروح النازفة، مشدداً على أن أرمينيا اليوم باتت أكثر استقلالاً وازدهاراً من أي وقت مضى.
وتبنى باشينيان، بالرغم من خطابه المؤيد للغرب، نبرة تهدئة دقيقة وحذرة تجاه موسكو في الأسبوع الأخير من الحملة، تفادياً لقطع إمدادات النفط والغاز الحيوية.
وأعلن عن توصله إلى اتفاق مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للتوجه إلى موسكو قريباً لعقد قمة ثنائية وحل الملفات العالقة.
وذكر رئيس الوزراء أن علاقات بلاده مع روسيا تمر بمرحلة تحول إيجابي وصادق، مشيراً إلى أن طلب انضمام بلاده للاتحاد الأوروبي لا يزال أمراً نظرياً حالياً، وأن يريفان ستواصل العمل بانتظام ودون نزاعات داخل الاتحاد الاقتصادي الأوراسي لخدمة مصالحها الوطنية العليا.
صراع المحاور
مصادر أوروبية أكدت أن هذه الانتخابات العامة تأتي لتعكس التغيرات الجيوسياسية العميقة التي ضربت منطقة جنوب القوقاز عقب حرب القوقاز الأخيرة والانهيار العسكري لإقليم ناغورني كاراباخ.
وقالت المصادر: لطالما اعتبرت روسيا هذه المنطقة الجغرافية، الممتدة بين البحر الأسود وبحر قزوين، فناءً خلفياً ومجالاً حيوياً لأمنها القومي، حيث تحتفظ بوجود عسكري وقواعد إستراتيجية لحماية حدودها الجنوبية.
وأشارت إلى أن تراجع الدور الروسي وانشغال موسكو بملف الصراع في أوكرانيا، سارعت القوى الغربية -لاسيما واشنطن وباريس وبروكسل- إلى ملء الفراغ ورعاية اتفاقات السلام بين دمشق القوقازية (يريفان) وباكو؛ ويرى محللون في العلاقات الدولية أن نتائج هذا التصويت لن تقتصر على الداخل الأرمني، بل ستمتد لتحدد مستقبل خطوط أنابيب الطاقة الدولية ومشاريع النقل الإستراتيجية التي تربط آسيا الوسطى بأوروبا، وسط مراهنة غربية على أن فوز باشينيان بأغلبية مريحة سيمنحه التفويض الشعبي اللازم لإنهاء التبعية الأمنية لروسيا وفتح الباب أمام الناتو والاتحاد الأوروبي لتثبيت أقدامهم في واحدة من أكثر مناطق العالم تعقيداً وتشابكاً.

