

بدأت مكاتب الاقتراع في الجزائر صباح الخميس 2 تموز استقبال الناخبين للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات التشريعية المباشرة لاختيار أعضاء المجلس الشعبي الوطني، في استحقاق يقدّمه الرئيس عبد المجيد تبون كخطوة إضافية ضمن مشروع “تجديد المؤسسات” وبناء ما يُعرف بـ“الجزائر الجديدة”.
وذكرت تقارير ومراكز أبحاث جزائرية أن العملية الانتخابية تجري وفق نظام القائمة المفتوحة الذي يتيح للناخب ترتيب المرشحين داخل القائمة الواحدة، في محاولة للحد من تأثير المال السياسي وتعزيز حضور الشباب والكفاءات التكنوقراطية داخل البرلمان الجديد.
وتشرف السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات (ANIE) على كامل مراحل التصويت والفرز، وسط تأكيدات رسمية على ضمان الشفافية والتصدي لأي خروقات قد تمسّ مصداقية النتائج.
وأوضحت التقارير أن صناديق الاقتراع ستغلق عند الساعة 07:00 مساء بتوقيت الجزائر (09:00 مساء بتوقيت دمشق) على أن تبدأ مراكز التصويت فورا عمليات الفرز بحضور ممثلي القوائم والمراقبين، مشيرة إلى أن السلطة الوطنية المستقلة تمتلك صلاحية تمديد التصويت ساعة إضافية حتى الثامنة مساء في المكاتب التي تشهد إقبالا كثيفا في اللحظات الأخيرة.
مراكز أبحاث تتوقع عزوفا شعبيا عن الانتخابات
وأعربت مراكز أبحاث جزائرية عن مخاوفها من عزوف شعبي يعيد إلى الأذهان إرث الحراك الشعبي الذي هزّ البلاد قبل 7 سنوات، حيث أكد روبن فريش، مدير مكتب مؤسسة فريدريش إيبرت في الجزائر العاصمة أن الحدث السياسي “مهم رغم ضعف الحملات الانتخابية”، ويحق لنحو 24.7 مليون ناخب اختيار أعضاء المجلس الشعبي الوطني البالغ عددهم 407 نائبا لولاية تمتد خمس سنوات.
ورأى محللون جزائريون أن الطفرة غير المسبوقة في القوائم المستقلة تعد مؤشرا على عودة المجتمع إلى السياسة، بينما اعتبر فريش أن كثرة المستقلين تعكس في الوقت نفسه خيبة أمل من الأحزاب التقليدية ومحاولة لإعادة تعبئة سياسية من خارج الأطر الحزبية.
وذكرت مراكز أبحاث جزائرية أن الانتخابات “لم تحظَ باهتمام الشارع”، معتمدة في قراءتها هذه على “الحملة الباهتة” وغياب الشخصيات السياسية المؤثرة في القوائم، إضافة إلى اعتماد المتنافسين على شعارات مكررة لا تقدّم حلولا حقيقية، معتبرة أن صعود المستقلين بنسبة 71% لا يعكس نموا في الوعي المدني، بل “أزمة حزبية عميقة” وأن التجربة أثبتت أن المستقلين “مجرد أرقام” لا يضيفون شيئا للعمل التشريعي.
وتتجه الأنظار إلى نسبة المشاركة التي بلغت في انتخابات 2021 نحو 23% فقط، وهي أدنى نسبة في تاريخ البلاد، أي تراجع إضافي سيعزز الانطباع بأن قطاعات واسعة من الجزائريين لا تثق في المؤسسات السياسية.
ديمقراطية "مضبوطة" بحدود صارمة؟
ومع ذلك، تظل الجودة الديمقراطية للنظام السياسي محل جدل، إذ صنف مركز الأبحاث "فريدوم هاوس"(Freedom House) ومقره واشنطن، الجزائر مرة أخرى بأنها "غير حرة"، وقال المركز إنه على الرغم من وجود انتخابات وأحزاب سياسية، إلا أن السلطة الفعلية لا تزال بيد الرئاسة والجيش والأجهزة الأمنية.
وتوصل "مؤشر برتيلسمان للتحول" ( Bertelsmann Transformation Index) الألماني إلى استنتاج مماثل معتبرا أن آمال الإصلاح تلاشت إلى حد كبير، و"عادت الجزائر سياسيا وبشكل واسع إلى ظروف ما قبل الربيع العربي".
ومنذ انتهاء احتجاجات الحراك، أعربت عدة أحزاب معارضة وصحفيون ومنظمات حقوقية عن أسفهم إزاء تقلص المساحة السياسية والإعلامية بشكل متزايد، ويقول روبن فريش إنه لا يزال هناك فضاء سياسي للإجراءات الديمقراطية ولهذا السبب، يرى عودة العديد من أحزاب المعارضة بعد مقاطعتها لانتخابات 2021 أمرا إيجابيا.
المعارضة تشارك تحت ضغوط مؤسساتية
بيد أن عودة المعارضة على وجه الخصوص تُفسر بطرق مختلفة، إذ يرى "منتدى الشرق الأوسط" (Middle East Forum) ومقره فيلادلفيا في الولايات المتحدة الأمريكية، أن هذه العودة لا تعكس انفتاحا سياسيا بقدر ما هي نتيجة لضغوط مؤسساتية.
ورغم هذا التقدم، لا يرى روبن فريش مساحة كبيرة لتغيير سياسي ملموس، حيث قال: "المبادرات السياسية الحاسمة لا تنطلق عادة من البرلمان"، كما وصف "مؤشر برتيلسمان للتحول" الجزائر بأنها نظام قائم على "الاستقرار السلطوي"، حيث يؤدي البرلمان في المقام الأول دور جهة مصادقة على قرارات السلطة التنفيذية، في وقت تتفاءل نسبة من الجزائريين بأن يتمكن الرئيس الجزائري الحالي البالغ من العمر 80 عاما لأول مرة من العمل مع برلمان لم يعد مشكلا بالكامل من الشبكات القديمة لحقبة بوتفليقة.

