
المرسوم 13 الخاص بتجنيس الأكراد.. خطوة لإغلاق ملف عمره 64 عاما

تتواصل تداعيات المرسوم رقم 13 المتعلق بمنح الجنسية لمكتومي القيد من أبناء المكون الكردي، وسط مطالبات متزايدة من مكتومي القيد من المكونات الأخرى بضرورة شمولهم بالمعالجة ذاتها، بعد عقود من الحرمان الذي بدأ مع إحصاء عام 1962، ويكشف تواصل هؤلاء مع «السورية نيوز» أن الأخطاء التي رافقت ذلك الإحصاء لم تقتصر على الكرد وحدهم، بل طالت جميع المكونات دون استثناء، تاركة آثاراً اجتماعية وقانونية ما تزال قائمة حتى اليوم.
إحصاء ليوم واحد
يؤكد المحامي أحمد إسماعيل صبري، لـ "السورية نيوز" أن الإحصاء الذي جرى بموجب المرسوم التشريعي الذي أصدره الرئيس السوري الأسبق ناظم القدسي تحت رقم 39 لعام 1962، ولمدة يوم واحد فقط في محافظة الحسكة، أدى إلى تجريد مئات الآلاف السوريين من جنسيتهم، سواء كانوا من الكرد أو من العرب أو من مكونات أخرى.
ويضيف صبري أن موجات الهجرة نحو سوريا في تلك الفترة دفعت السلطات إلى اتخاذ إجراءات متسرعة، قسّمت السكان إلى ثلاث فئات: مواطنون، وأجانب الحسكة الذين مُنحوا بطاقات حمراء، ومكتومو القيد الذين لم تُدرج أسماؤهم في السجلات الرسمية مشيرا إلى حالات عديدة لمواطنين من المكون العربي ما يزالون مكتومي القيد حتى اليوم.
أشباح بلا جنسية
ويرى صبري أن ما حدث في إحصاء 1962 يمثل خرقاً واضحاً للمواثيق الحقوقية الدولية، إذ إن حرمان الإنسان من جنسيته يعني حرمانه من أبسط حقوقه المدنية، فمكتومو القيد محرومون من العمل والتوظيف والتملك والحقوق السياسية، ولا يحق لهم الحصول على رخصة قيادة أو دفتر عائلة أو تسجيل أبنائهم في دائرة النفوس أو تثبيت عقود الزواج.
ويشير صبري إلى أن الوثيقة الوحيدة التي يحملونها هي «شهادة تعريف» صادرة عن المختار، لا تتضمن رقماً أو عنواناً، ما يجعلهم غير موجودين قانونياً، وبالتالي محرومين من معظم الحقوق الأساسية.
ويصف صبري واقع مكتومي القيد بأنه أشبه بعيش «أشباح بلا جنسية» فهم لا يستطيعون الحصول على بطاقة شخصية أو جواز سفر، ما يمنعهم من السفر أو التنقل، كما يواجهون صعوبات كبيرة في الالتحاق بالمدارس والجامعات، وغالباً ما يحصلون على شهادات غير رسمية أو يُحرمون منها تماماً.
توارث صفة مكتومية القيد
ولا تقتصر معاناة مكتومي القيد على جانب دون آخر فعلى الصعيد الاقتصادي هم محرومون من التوظيف في القطاعين العام والخاص، ولا يستطيعون تسجيل العقارات أو السيارات أو أي ممتلكات بأسمائهم، بحسب المحامي صبري.
ويشير إلى أربع صعوبات رئيسية تواجه مكتومي القيد، أولها صعوبة الحصول على الرعاية الصحية في المشافي العامة، وثانيها استحالة تثبيت عقود الزواج، ما يؤدي إلى توارث وضع «مكتوم القيد» عبر الأجيال، وثالثها عدم القدرة على فتح حسابات مصرفية أو تسجيل خطوط هاتف أو إجراء معاملات قانونية، أما الصعوبة الرابعة فهي عدم الاستفادة من المساعدات الحكومية.
ويؤكد صبري أن هؤلاء يتعرضون لمضايقات أمنية على الحواجز والمطارات لعدم امتلاكهم وثائق رسمية، وأن محاولاتهم لإصلاح أوضاعهم عبر القضاء غالباً ما تنتهي بالفشل.
ورقة ضغط
يروي ياسر عبد الرزاق العبود، وهو مكتوم القيد مع عائلته في قرية تل براك، أن النظام السابق استخدم ملف الجنسية كورقة ضغط على عائلته بسبب دعمها للثورة، مؤكداً أن عشرات الآلاف من العرب في الحسكة ما يزالون مكتومي القيد، ويقول شبل محمد عيدان إن 7 عائلات كاملة في قريته تعيش الوضع ذاته منذ عقود، رغم تقديمهم عشرات الطلبات والدعاوى القضائية التي قوبلت بالرفض.
ويقول شبل محمد عيدان من قرية الدردارة، الذي يعيش مع عائلته بلا أي وثيقة رسمية رغم أنهم من أبناء المنطقة الأصليين أن العاملين في مراكز منح الجنسية أوضحوا لهم أن المرسوم 13 مخصص فقط لأبناء المكون الكردي، ما أثار مخاوفهم من استمرار حرمانهم.
نحو إغلاق هذا الملف
يؤكد مدير الأحوال المدنية في الحسكة، عزيز المحيمد، في حديثه لـ«السورية نيوز» أن المرسوم رقم 13 الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع موجّه حصراً لمكتومي القيد من أبناء المكون الكردي، وبالتالي فإن مكتومي القيد من المكونات الأخرى غير مشمولين به في الوقت الراهن لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن الدولة لن تتجاهل أوضاع هؤلاء، وأن ملفهم سيكون ضمن أولويات المرحلة المقبلة بهدف إنهاء معاناة استمرت عقوداً، استخدمها النظام البائد كورقة ضغط عبر التشكيك بسوريتهم وادعاء قدومهم من خارج الحدود، رغم عدم امتلاكهم أي وثيقة تثبت ذلك.
ويشير المحيمد إلى التناقضات التي مارسها النظام السابق، إذ كان يجبر بعض مكتومي القيد—من مختلف المكونات—على أداء الخدمة العسكرية الإلزامية، رغم اعتباره لهم «غير سوريين»، مبينا أن بعض العائلات كانت تعيش حالة انقسام قانوني، حيث يحمل بعض أفرادها الجنسية فيما يبقى آخرون مكتومي القيد، ما يعكس حجم الفوضى التي رافقت تلك المرحلة.
ويدعو المحيمد مكتومي القيد من المكونات الأخرى إلى التحلّي بالصبر ريثما تعود مديرية الأحوال المدنية إلى عملها الكامل، لتتمكن من دراسة ملفاتهم ورفعها إلى الجهات المركزية في دمشق، موضحا أن معالجة هذا الملف يجب أن تتم بالآلية نفسها التي عولجت بها أوضاع مكتومي القيد من المكون الكردي، سواء عبر تعديل المرسوم 13 ليشمل جميع السوريين، أو عبر إصدار مرسوم جديد، مؤكداً أن كلا الخيارين قابل للتطبيق وينسجم مع توجهات القيادة الجديدة وحرصها على إنصاف مواطنيها.
وتيرة متسارعة
ويؤكد مدير الأحوال المدنية في الحسكة، أن تنفيذ المرسوم 13 يسير بوتيرة متسارعة في المراكز الخمسة التي افتُتحت في المحافظة، وتشمل الحسكة والقامشلي والدرباسية والمالكية والجوادية، موضحا أن المهلة المحددة لتقديم طلبات التجنيس، ومدتها 30 يوماً، انتهت رسمياً بعد فترة عمل مكثفة جرى خلالها استقبال الطلبات بشكل متواصل وإرسالها تباعاً إلى الإدارة العامة للأحوال المدنية في دمشق لإدراجها ضمن الشبكة المركزية.
ويشير المحيمد إلى أن العدد النهائي للمتقدمين لم يُعلن بعد، إذ ما تزال اللجان المختصة في الإدارة العامة تعمل على استكمال عمليات الإدخال الحاسوبي للبيانات التي جُمعت خلال فترة التسجيل، مؤكدا أن تحديد العدد الدقيق للمستفيدين سيعتمد على اكتمال هذه العملية، وهو ما قد يستغرق بعض الوقت قبل صدور إعلان رسمي.
مهلة إضافية
في أعقاب انتهاء مهلة التسجيل الأساسية في 6 أيار 2026، أعلن مدير الأحوال المدنية في سوريا، عبد الله عبد الله، تمديد مهلة استقبال طلبات التجنيس وإعادة الجنسية للمواطنين الكرد من فئتي مكتومي القيد وأجانب الحسكة لمدة خمسة عشر يوماً إضافية، وذلك استجابةً للإقبال الكبير الذي شهدته مراكز التسجيل خلال الفترة الماضية.
وتتركز لجان الاستلام وتنظيم الطلبات في 3 مراكز رئيسية هي الحسكة والقامشلي والجوادية فيما تستمر العملية القانونية بشكل مجاني بالكامل داخل المراكز الخمسة المفتوحة في المحافظة، بهدف تخفيف أعباء السفر والتنقل عن المواطنين.
ويتيح القرار لولي الأمر تقديم الطلبات نيابة عن الأبناء المقيمين خارج البلاد، مع تثبيت إشارة رسمية تفيد بوجودهم في الخارج، بما يضمن عدم حرمان المغتربين من حقهم في استعادة الجنسية واستكمال الإجراءات لاحقاً في دمشق عبر اللجان المختصة.
خليل اقطيني

