

تسابق البنوك المركزية الكبرى في العالم الزمن لفهم الكيفية التي تعيد بها تقنيات الذكاء الاصطناعي تشكيل التضخم، فبعد سنوات من التعامل مع هذه التكنولوجيا كقوة "بعيدة الأمد"، انهار هذا التمييز الآن لتصبح جزءاً لا يتجزأ من أدوات السياسة النقدية والتحليل الهيكلي للاقتصاد العالمي.
البنك الأوربي حسم أمره
وقد حسم البنك المركزي الأوروبي أمره مبكراً؛ وبحسب وسائل اعلام أوروبية فقد كشف حديث لخبراء البنك، تبين أن "نموذج تعلم آلي" (Machine Learning) بات جزءاً أصيلاً من مجموعة الأدوات التحليلية منذ نهاية 2022.
النموذج الذي يعتمد على 60 مؤشراً ترصد توقعات التضخم والنشاط الاقتصادي، أثبت جدارته في عام 2025 حين رصد بدقة مخاطر صعودية للتضخم الأساسي فاقت التوقعات الرسمية بنحو 20 نقطة أساس.
وفي السياق ذاته، أكد رئيس "البوندسبنك" الألماني، يواخيم ناغل، أن البنك المركزي الألماني يستخدم بالفعل نموذج "MILA" لتقييم الاتصالات الصادرة عن البنوك المركزية، مشدداً على أن التكنولوجيا وُجدت لتخدم المهمة الأساسية للمصارف المركزية في الحفاظ على استقرار الأسعار.
الاحتياطي الفيدرالي صراع الإنتاجية
أما في أروقة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، فقد انتقل النقاش من "الفضول التقني" إلى قلب المقايضات الجوهرية. وبينما يراهن كريستوفر والر على أن الذكاء الاصطناعي قد يعزز الإنتاجية لتدفع الدخول الحقيقية دون ضغوط تضخمية، يبدو فيليب جيفرسون أكثر حذراً؛ إذ يرى أن "شهية" هذه التكنولوجيا لمراكز البيانات والطاقة قد تدفع بأسعار المدخلات صعوداً، مما يخلق ضغوطاً تضخمية موازية لمكاسب الإنتاجية.
وتتجه الأنظار إلى كيفن وورش، المرشح لرئاسة الفيدرالي، الذي وصف الذكاء الاصطناعي بأنه قوة تقترب من "سرعة الإفلات"، محذراً من أن النماذج الاقتصادية التقليدية قد تحتاج إلى إعادة تفكير شاملة لمواكبة هذه الموجة الابتكارية العنيفة.
وول ستريت.. انقسام بين "المتفائلين" و"الصقور"
على الجانب الآخر، ينقسم الشارع المالي في نيويورك إلى معسكرين: المتفائلون (معسكر العرض): يرون في الذكاء الاصطناعي "صدمة إيجابية" قادرة على القيام بالدور الانكماشي الذي عجزت عنه السياسة النقدية المتشددة، مما يمهد لأسعار فائدة أقل.
الصقور (معسكر الإنفاق الاستثماري): يحذرون من دورة استثمارية قياسية (Capex) ترفع أسعار الكهرباء وتستنزف رأس المال. وتوقعت تقارير "غولدمان ساكس" أن يضيف الطلب على مراكز البيانات 0.2 نقطة مئوية للتضخم في 2026 نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة.
السؤال الحرج: التوقيت لا الوجهة
وتجمع الأوساط الاقتصادية اليوم على أن الذكاء الاصطناعي ظاهرة "بالغة الضخامة" تُجبر البنوك المركزية على مراجعة بديهياتها.
ومع ذلك، يظل "تسلسل الأحداث" هو اللغز الأكبر؛ فإذا سبقت مكاسب الإنتاجية طفرة الاستثمار، ستحظى البنوك المركزية بهوامش لخفض الفائدة، أما إذا جاء "انفجار" الطلب على الطاقة ورأس المال أولاً، فقد يجد صانعو السياسة أنفسهم مضطرين لتشديد السياسة النقدية في وقت كان العالم ينتظر فيه التيسير.

