
استثمارات النصف الأول من 2026.. شركات تصنيع شرائح الذاكرة ووحدات التخزين الرابح الأكبر

أظهرت التداولات العالمية مع انتصاف العام 2026 اتسم بالاضطراب نمطاً واضحاً وحاداً في الأسواق المالية؛ حيث سجلت كافة القطاعات المرتبطة بالتوسع في البنية المادية والتكنولوجية للذكاء الاصطناعي قفزات تاريخية، في حين تعثرت فئات أصول عديدة يلجأ إليها المستثمرون تقليدياً كصمامات أمان في أوقات عدم اليقين.
وجاءت هذه الاضطرابات في التداول على خلفية اشتعال الحرب في الشرق الأوسط، والهزات السياسية المتلاحقة، والارتفاع الحاد في أسعار النفط، ومع ذلك واصلت أسواق الأسهم في عدة مناطق حول العالم تسجيل مستويات قياسية غير مسبوقة مدفوعة بـ "جنون الرقائق والبيانات".
صعود صاروخي لشرائح الذاكرة
أظهرت بيانات حركة المؤشرات العالمية التي نشرها موقع يورونيوز الأوروبي، أن أكبر المكاسب تدفقت من زاوية كانت تبدو بعيدة عن الأضواء المباشرة في عالم التكنولوجيا، وهي شركات تصنيع شرائح الذاكرة ووحدات التخزين؛ إذ تزامن الطلب المتزايد على الحوسبة السحابية مع محدودية المعروض، مما رفع الأسعار بقوة فائقة صعدت معها أسهم الشركات إلى مستويات فلكية.
تصدّرت شركة "سان ديسك" تداولات السوق الأميركية مسجلة مكاسب قياسية تجاوزت 850 % في غضون ستة أشهر فقط، بينما تضاعفت القيمة السوقية لأسهم عمالقة آخرين مثل "ويسترن ديجيتال"، و"ميكرون تكنولوجي"، و"سيغيت تكنولوجي" أكثر من ثلاث مرات، وهي وتيرة عوائد تحتاج الشركات في العادة إلى سنوات عديدة لتحقيقها.
وعزا المحللون هذا الصعود إلى الكميات الهائلة من الذاكرة والتخزين عالي السرعة المطلوبة لتدريب وتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي، بالتزامن مع مسارعة كبرى شركات التقنية لتوسيع مراكز بياناتها.
ولحقت أسهم أميركية أخرى بهذه الموجة الارتدادية القوية، من بينها شركات "إنتل"، و"دِل"، و"إيه إم دي"، و"أبلايد ماتيريالز"، التي صعدت قيمها منذ بداية العام بنسب تراوحت بين 150 و280 %، واللافت أن موجة الصعود الحادة لأسهم شرائح الذاكرة بدأت في الأيام الأخيرة تتفكك وتتباطأ مع تعرض بعض هذه الأسماء لعمليات بيع وجني أرباح حادة طالت قطاع التكنولوجيا عموماً.
سقوط الأسهم المفضلة
واجهت أسهم رابحة في الماضي ضربات قاسية من المستثمرين؛ حيث تُركت شركتا "ميتا" و"مايكروسوفت" –اللتان كانتا من أبرز نجوم طفرة الذكاء الاصطناعي السابقة– في المراكز الخلفية، بعدما هبطتا بنحو 14 و24 في المئة على أساس إجمالي العائد؛ إذ حوّلت النفقات الرأسمالية الضخمة والمليارية على تطوير التقنيات هاتين المجموعتين إلى أعمال أكثر نهماً لرأس المال، وتوقف المساهمون عن دفع علاوة سعرية مقابل امتلاك أسهمهما.
وباتت أسهم "مايكروسوفت" تتداول عند أدنى مستوياتها من حيث التقييم منذ عقد كامل، لتصبح قيمتها السوقية هي وشركة "ميتا" أكثر تواضعاً من قيمة سلسلة مطاعم "ماكدونالدز" الشهيرة، وهو سيناريو تاريخي لم يكن لأحد أن يتخيله في ذروة هوس أسهم التكنولوجيا السبعة الكبار "Magnificent 7".
تقلب الملاذات التقليدية
خيّبت أصول استثمارية كثيرة الآمال رغم التوقعات التي كانت تشير إلى تصدرها المشهد في أوقات الأزمات؛ حيث قاد الذهب المستثمرين في رحلة متقلبة للغاية، فبعد أن قفز المعدن الأصفر إلى مستوى قياسي بلغ 5,594.82 دولار للأونصة في 29 كانون الثاني الماضي، عاد وفقد نحو 28 % من قيمته مقارنة بتلك الذروة، على الرغم من الاضطرابات الجيوسياسية الشديدة.
وتراجعت جاذبية السندات الذهبية مع ارتفاع عوائد السندات السيادية وأسعار الفائدة المرتفعة على النقد، والتي توفر دخلاً دورياً ثابتاً لا تستطيع سبيكة الذهب تقديمها.
وكان أداء عملة "بيتكوين" الرقمية أكثر سوءاً؛ إذ تراجعت بنحو 28 % منذ بداية العام مع انحسار موجة الحماسة العامة للعملات المشفرة وتحول السيولة المباشرة نحو أسهم تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.
صفقات بريطانية وتراجع الدفاع
وفي المملكة المتحدة، قادت صفقات الاستحواذ الحصة الأكبر من العمل لرفع مؤشرات السوق؛ إذ استقطبت ست شركات كبرى مدرجة على مؤشر "فوتسي مئة" البريطاني، من بينها "غلينكور" و"شرودرز" و"سيغرو"، عروض استحواذ ضخمة خلال النصف الأول من العام، في إشارة إلى أن المشترين الدوليين ما زالوا يرون قيمة استثمارية حقيقية في الأسهم القيادية البريطانية رغم إعادة تسعيرها على مدى الأعوام الثلاثة الماضية.
وفي المقابل، واجهت شركات بناء المساكن البريطانية مثل "برسيمون" صعوبات حادة في ظل سوق عقارية اتسمت بالبطء، بينما طالت مخاوف الاضطراب التقني شركات مرتبطة بالتكنولوجيا التقليدية مثل "إكسبريان" و"ريل إكس". ومن بين التداولات التي بردت بصورة لافتة قطاع الدفاع والملامح العسكرية؛ فبعد عام 2025 قوي، تراجعت أسهم شركات عملاقة مثل "بي إيه إي سيستمز" البريطانية، و"راينميتال" الألمانية، و"بالانتير" الأميركية، بعدما استوعبت الأسعار تماماً الأنباء الإيجابية عن ارتفاع ميزانيات الدفاع العالمية، ليتجه المستثمرون سريعاً للبحث عن فرص بديلة.
وتأتي هذه الهيكلة الجديدة للأسواق المالية لتعكس تحولاً جذرياً في عقلية الاستثمار العالمي الباحث عن النمو السريع عوضاً عن التحوط التقليدي؛ حيث يرى الخبراء أن طفرة عام 2025 في الإنفاق الدفاعي والعسكري، وهوس العملات المشفرة، قد أفسحا المجال بالكامل أمام البنية التحتية الصلبة التي يتطلبها الذكاء الاصطناعي من مراكز بيانات جبارة ووحدات تخزين فائقة السرعة، وهو ما يفسر القفزة الجنونية لشركات الظل مثل "سان ديسك" على حساب عمالقة البرمجيات مثل "مايكروسوفت" التي دخلت مرحلة استنزاف رأس المال لبناء السيرفرات والمرافق المادية.

