
أوكرانيا تستهدف 30 موقعاً للطاقة الروسي ومجموعة السبع تتعهد بتسليح كييف

تشهد الخارطة الميدانية للحرب الروسية الأوكرانية تحولات متسارعة خلال النصف الأول من حزيران 2026؛ فبينما تُظهر صور الأقمار الصناعية تمدد بنك الأهداف الأوكراني لعزل شبكات الإمداد الروسية واستهداف 30 موقعاً حيوياً للطاقة من مياه البلطيق شمالاً إلى البحر الأسود جنوباً، يتصاعد الحراك الدبلوماسي الغربي في قمة مجموعة السبع بفرنسا لتشديد الخناق على اقتصاد موسكو مستغلين الانفراجة المرتقبة في مضيق هرمز عقب التفاهمات الأمريكية-الإيرانية.
وفي المقابل، تبرز معالم أزمة دولية جديدة مع كشف وثائق رفعت عنها السرية حول تمويل واشنطن لمختبرات بيولوجية تحتوي مسببات أمراض خطيرة في أوكرانيا، مما وضع التصريحات الأمريكية السابقة في مواجهة مباشرة مع اعترافات استخباراتية مستجدة.
مسيّرات أوكرانيا تستهدف شرايين الطاقة الروسي
شهد النصف الأول من شهر حزيران الجاري تصعيداً ملحوظاً في الهجمات الأوكرانية التي استهدفت العمق الروسي بالطائرات المسيّرة الانتحارية.
وكشفت صور الأقمار الصناعية وتحليلات وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة عن تعرض نحو 30 موقعاً استراتيجياً لضربات مباشرة، في رقعة جغرافية واسعة تمتد من مياه خليج فنلندا شمالاً إلى شواطئ البحر الأسود وبحر آزوف جنوباً، مسببة تضييقاً للمساحات "الآمنة" خلف خطوط الجبهة.
وبحسب المصادر الميدانية الأوكرانية، فقد تركز النمط الأول من الضربات على شل الجسور البرية والمعابر اللوجستية التي يعتمد عليها الجيش الروسي لنقل الوقود والذخيرة والأفراد إلى شبه جزيرة القرم ومحاور الجبهة الجنوبية؛ حيث تعرض جسر "تشونغار" البري الرئيسي (الذي يعبر بحيرة سيفاش ويعد شريان الربط الأساسي مع القرم) لضغط مكثف وضربات مركزة في ليالي 6 و7، و8 و9، ثم أُعيد استهدافه في 15 حزيران.
وأظهرت الصور الفضائية أضراراً بليغة في سطحه الخرساني، ونسبت مصادر عسكرية أوكرانية الهجمات إلى مركز العمليات متعدد المجالات "فالانكس" بالتعاون مع الفوج الهجومي المنفصل الأول باسم "دميترو كوتسيوبايلو" والفوج 475 ("CODE 9.2")، مؤكدة استخدام طائرات مسيّرة من طراز "إف بي-2" (FP-2) أخرجت الجسر عن الخدمة مؤقتاً وقيدت حركة الشاحنات نحو معابر عائمة بديلة.
حرائق في منشآت الطاقة وموانئ بحر آزوف
امتد النمط الثاني من الهجمات الأوكرانية إلى منشآت النفط والتصدير في العمق الروسي على مسافات تجاوزت 1100 كيلومتر عن الحدود؛ إذ وثقت الأقمار الصناعية في 3 حزيران تصاعد سحابة دخان سوداء ضخمة فوق أرصفة وخزانات محطة سان بطرسبورغ النفطية على خليج فنلندا (بحر البلطيق)، والتي تدير طاقة تمرير تبلغ 12.5 مليون طن سنوياً، وحملت الضربة بعداً رمزياً لتزامنها مع انطلاق منتدى سان بطرسبورغ الاقتصادي الدولي. كما طالت الهجمات مستودعاً في "ريبينسك" بمقاطعة ياروسلافل، ومستودع "تيمب"، ومحطة ضخ "بالكيمو" في تتارستان، ومحطتي "فتوروفو" و"لوبكوفو" في فلاديمير، وخزان وقود في "ميليروفو" بمقاطعة روستوف، ومحطة "كويبيشيف" في سامارا.
وفي إقليم "كراسنودار كراي" والموانئ المحيطة ببحر آزوف، رصدت الصور الفضائية في 6 حزيران/يونيو دماراً واسعاً طال مستودع "أوست-لابينسك" النفطي وتضرر خطوط أنابيب مصفاة "إيلسكي"، ومحطة نفط "أفيبسكي"، ومحطة "تامانيفتيغاز" الاستراتيجية، ومستودع شركة "لوك أويل" في بلدة "ستانيتسا بولتافسكاي".
بحرياً، ضربت المسيّرات منشآت عسكرية في خليج "ستريليتسكا" بسيفاستوبول، ومينائي "تيمريوك" و"كافكاز"، بالإضافة إلى قصف مرافق التموين وسفن الشحن في ميناء ماريوبول، ما أسفر عن مقتل 5 بحارة أذربيجانيين وإصابة 3 آخرين وفق الخارجية الأذربيجانية. وأمام هذا التمدد، أقر نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك بتأثر قطاع الطاقة وانخفاض إنتاج النفط، مبرراً ذلك بـ"أعمال صيانة غير مخطط لها تخضع لها عدة مصافٍ حالياً".
ملف المختبرات البيولوجية في أوكرانيا يثير الجدل
وعلى صعيد متصل، أعاد تقرير نشره موقع صندوق الثقافة الاستراتيجية الروسي تسليط الضوء على وثائق رُفعت عنها السرية مؤخراً تؤكد تمويل الولايات المتحدة لـ 120 مختبراً بيولوجياً في 30 دولة، من بينها 40 مختبراً تعمل منذ سنوات في مختلف أنحاء أوكرانيا.
وأوضح التقرير أن أنابيب الاختبار في هذه المنشآت تحتوي على مسببات أمراض شديدة الخطورة مثل الجمرة الخبيثة، التولاريميا، السل، حمى الخنازير، الطاعون، وحمى ماربورغ وإيبولا.
وأشار الموقع إلى أن الرئيس الأوكراني الأسبق فيكتور يانوكوفيتش شكّل لجنة عام 2013 علّقت عمل هذه المختبرات لخطورتها على الأمن القومي، إلا أنها استأنفت نشاطها فوراً بعد أحداث شباط 2014 في كييف. ووضعت هذه الاعترافات واشنطن في موقف حرج نظراً للنفي القاطع السابق الصادر عام 2022 عن المتحدثة باسم البيت الأبيض جين ساكي ومنسق الاتصالات جون كيربي اللذين وصفا الاتهامات الروسية بـ"الأكاذيب السخيفة".
وجاء التأكيد الصادم على لسان تولسي غابارد، المديرة المنتهية ولايتها للاستخبارات الأمريكية، التي أقرت بوجود مسببات أمراض خطيرة مخزنة في مختبرات أوكرانية ممولة أمريكياً جرى إخفاء معلوماتها عمداً.
ودعم ذلك تصريح سابق للمرشح الرئاسي روبرت كينيدي عام 2023 أكد فيه تطوير أسلحة بيولوجية في أوكرانيا وجمع "الحمض النووي الروسي والصيني" لاستهداف الشعوب عرقياً، وسط اتهامات روسية بأن الهدف كان نشر فيروس فتاك مشابه لكوفيد-19 لإبادة سكان روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا.
واعتبر التقرير الروسي أن اعتراف واشنطن يعد خطوة أولى من إدارة ترامب لتحمل مسؤولية سنوات من التلاعب السياسي، مطالباً إياها بقطع الأسلحة والأموال عن كييف لإرساء السلام.
قمة مجموعة السبع: زيادة تسليح أوكرانية
وعلى الجبهة الدبلوماسية الغربية، اعتمد قادة دول مجموعة السبع (G7) في ختام اجتماعهم بمدينة "إيفيان-لي-بان" الفرنسية بياناً مشتركاً أكدوا فيه تقديم "دعم لا يتزعزع لأوكرانيا لحماية سيادتها وسلامة أراضيها"، مشيدين بالزخم العسكري الجديد الذي حققته كييف على خطوط المواجهة. وتعهد القادة بزيادة تسليم الأسلحة والأنظمة والمضادات الجوية، والقدرات الصاروخية بعيدة المدى، وتوسيع منح تراخيص الإنتاج العسكري المشترك لتأمين أنظمة "باتريوت" الأمريكية التي تحتاجها كييف، مع التزام مالي شامل من أوروبا يبلغ 200 مليار يورو (إضافة لقرض بقيمة 90 مليار يورو يتدفق هذا الشهر)، ومساهمة أمريكية تبلغ 115 مليار يورو.
وفي الشق الاقتصادي، أعلن القادة استعدادهم لتشديد الخناق على اقتصاد الحرب الروسي عبر تعزيز العقوبات على قطاعي النفط والغاز واستهداف مبيعات "أسطول الظل"، تزامناً مع الحزمة الـ 21 من العقوبات التي أقرها الاتحاد الأوروبي مؤخراً.
ومن جانبه، صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن واشنطن ستكون قريباً في موقع يتيح لها إعادة فرض عقوبات مشددة على صادرات الطاقة الروسية (والتي تم تعليقها مؤقتاً لحماية السوق العالمي)، مشيراً إلى أن إطار الاتفاق الحديث بين الولايات المتحدة وإيران سيعيد فتح حركة عبور السفن بأمان عبر مضيق هرمز، مما يخفف حدة أزمة الطاقة العالمية ويسحب ورقة الضغط النفطية من موسكو، مع التعهد بدعم قطاع الطاقة الأوكراني لمواجهة الشتاء المقبل.

