
أوروبا تبحث عن “سيادة رقمية” عبر منصات تواصل اجتماعي بديلة

كشف تقارير حديثة أن أوروبا تتجه بخطوات متسارعة نحو بناء فضاء رقمي مستقل، في ظل تصاعد الانتقادات الموجهة لعمالقة التكنولوجيا العالميين مثل ميتا وبايت دانس وإكس، الذين يسيطرون على مليارات المستخدمين ويحددون عبر خوارزمياتهم ما يراه الناس وكيف يتفاعلون مع العالم.
وذكرت التقارير أن هذا النفوذ المتزايد دفع الاتحاد الأوروبي إلى إطلاق نقاش واسع حول السيادة الرقمية، ومحاولة خلق بدائل أوروبية قادرة على منافسة المنصات الأميركية والصينية.
حظر للمراهقين… وهيمنة المنصات الكبرى
لا تقتصر قوة هذه الشركات على حجم مستخدميها—3 مليارات لإنستغرام، ومليارا مستخدم لتيك توك—بل تمتد إلى قدرتها على تشكيل تدفق المعلومات، وتحديد ما يظهر في الخط الزمني للمستخدم، وما يُحجب عنه.
ويقول منتقدون إن هذه المنصات لا تتعامل بصرامة مع الأخبار المضللة، وتشجع الاستقطاب عبر خوارزميات تفضّل المحتوى المتطرف، وتجمع بيانات ضخمة دون شفافية كافية، وتستخدم البيانات في الإعلانات الموجّهة وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي
وتواجه تيك توك تحديدًا اتهامات بالارتباط بالدولة الصينية، وسط مخاوف أوروبية من إمكانية استخدام بيانات المستخدمين لأغراض سياسية أو استخباراتية.
وتدرس عدة دول أوروبية فرض قيود على استخدام المراهقين لوسائل التواصل، بينما طبقت أستراليا بالفعل حظرًا شاملًا على استخدام المراهقين لهذه التطبيقات.
وفي أوروبا، يستمر الخلاف بين الاتحاد الأوروبي وشركات التكنولوجيا حول الإشراف اليدوي على المحتوى، بينما فقدت منصة X (تويتر سابقًا) جزءًا كبيرًا من مستخدميها ومعلنيها بعد استحواذ إيلون ماسك عليها.
بدائل أوروبية… صغيرة لكنها تحمل طموحا كبيرا
وفي مواجهة هذا النفوذ، ظهرت منصات أوروبية تسعى لتقديم نموذج مختلف يقوم على اللامركزية، الشفافية، وحماية البيانات. من أبرزها:
ماستودون Mastodon (ألمانيا): بديل لامركزي لـ X، يعتمد على خوادم مستقلة.
بيرتيوب PeerTube (فرنسا): منصة فيديو مفتوحة المصدر تنافس يوتيوب.
BeReal (فرنسا): تطبيق يحد من الإدمان عبر صورة واحدة يوميًا دون تعديل.
Eurosky (هولندا): شبكة تخزن البيانات لامركزيًا وفق معايير GDPR.
W Social (السويد): أطلقت في أيار 2026، وتستهدف “الأشخاص الحقيقيين فقط” مع استضافة البيانات داخل أوروبا.
وهذه المنصات تعتمد على بروتوكولات مفتوحة مثل ActivityPub، وتشكّل جزءًا من منظومة Fediverse التي تضم شبكات مستقلة تتواصل فيما بينها دون مركزية.
دعم سياسي أوروبي واضح
وتعتبر المفوضية الأوروبية أن تطوير منصات محلية ضرورة استراتيجية، حيث تقول هينا فيرككونن، نائبة رئيس المفوضية الأوروبية، إن أوروبا يجب أن تمتلك أدوات رقمية لا تخضع لسيطرة حكومات أجنبية.
ودعا حزب الخضر في البرلمان الألماني إلى إلزام المؤسسات الأمنية باستخدام منصات أوروبية فقط في المجالات الحساسة.
ورغم الزخم السياسي، تواجه البدائل الأوروبية عقبات كبيرة، بحسب مراكز أبحاث، وفي مقدمتها قلة المستخدمين مقارنة بالمنصات العالمية، وتعقيد واجهات الاستخدام وصعوبة الانتقال إليها، وضعف العائد الإعلاني، وغياب التأثير العالمي
ويقول يوخيم سيلزر من نادي فوضى الحاسوب إن إقناع المستخدمين بالانتقال “يتطلب جهدًا كبيرًا”، لأن التطبيقات الجديدة “لا تبدو مألوفة” للمستخدم العادي.
أوروبا تبني طريقها الخاص
ورغم أن البدائل الأوروبية لا تزال صغيرة، إلا أن الدعم السياسي والقلق من النفوذ الأميركي والصيني، والحاجة لحماية البيانات، ورغبة أوروبا في استقلال رقمي حقيقي كلها عوامل تدفع القارة نحو تأسيس منظومة تواصل اجتماعي أوروبية بالكامل، تقوم على اللامركزية والشفافية وحماية المستخدم.

