-1783180942225-9ba4885f9bd2a8.jpg)
-1783180942225-9ba4885f9bd2a8.jpg)
كشفت بيانات حديثة صادرة عن المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين الاتحادي للهجرة واللاجئين (BAMF) الألماني عن بدء مرحلة جديدة تماما في سياسة اللجوء الألمانية؛ مرحلة تتسم بالصرامة والاندفاع نحو إعادة تشكيل المشهد القانوني للاجئين السوريين.
وبحسب البيانات، التي نشرتها مجلة دير شبيغل، في غضون عام واحد فقط، قفزت نسبة سحب الحماية من السوريين الخاضعين للمراجعة من مستوى هامشي لا يتجاوز 4% في عام 2025 إلى 17% خلال عام 2026، قبل أن تبلغ ذروتها في شهر أيار متجاوزة 30% من الملفات المدروسة، في أعلى معدل يُسجَّل منذ بدء عمليات التدقيق الموسعة.
وكشفت البيانات أن عام 2025 شهد سحب الحماية من 659 سوريا فقط من أصل 17,767 مراجعة، بينما في عام 2026 أصبح سحب الحماية يشمل شخصا واحدا تقريبا من بين كل 6 يخضعون للتدقيق، قبل أن ترتفع النسبة بشكل حاد في أيار الماضي لتتجاوز 30%، علما أن متوسط المراجعات الشهرية يبلغ 1,404 ملفا للسوريين، ما يعكس حجم الضغط الإداري والقانوني الذي يجري تطبيقه على هذا الملف.
وبرر المكتب الاتحادي هذه القفزة بالتركيز على ملفات الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم أو جنحا داخل ألمانيا، وهي فئة يسهل سحب الحماية منها قانونيا، ورغم ذلك، يحرص BAMF على التأكيد أن التأثير الإجمالي يبقى محدودا نسبيا، بالنظر إلى وجود نحو 500 ألف سوري يتمتعون بوضع الحماية في البلاد، ما يعني أن الإجراءات لا تمسّ الكتلة الكبرى من اللاجئين المستقرين.
تداعيات قاسية ومصير معلّق على حافة الترحيل
ورأت مجلة دير شبيغل أن قرار سحب صفة الحماية يضع اللاجئ أمام واقع قانوني واجتماعي شديد الهشاشة؛ إذ يتحول وضعه فورا إلى التسامح المؤقت (Duldung)، وهو أشبه بإقامة معلّقة بلا ضمانات، تسمح بالبقاء لكنها لا تمنح أمنا ولا استقرارا، وتُبقي صاحبها في دائرة الترحيل المحتمل في أي لحظة.
وأضافت المجلة مع سقوط الحماية، يُحرم الشخص من مزايا الرعاية الاجتماعية الكاملة التي كانت تشكل شبكة الأمان الأساسية له ولأسرته، ويتعرض لقيود مشددة على تصاريح العمل، ما يعني عمليا تجميد قدرته على بناء مستقبل مهني أو الحفاظ على مصدر دخل ثابت، وتبدأ حالة من الشلل الاجتماعي؛ إذ تتعطل فرص الاندماج، وتتراجع إمكانية الاستقرار الأسري، وتصبح الحياة سلسلة من الانتظارات القلقة.
ولفتت إلى أن هذا الوضع القانوني الهش يفتح الباب أمام عمليات ترحيل فعلية نحو مناطق تُصنّف “آمنة”، في حال توصلت برلين إلى تفاهمات جديدة مع دول المقصد، وهكذا يجد اللاجئ نفسه بين إقامة بلا حقوق، ومستقبل قانوني غير مضمون، واحتمال العودة القسرية إلى بلد لا يزال كثيرون يعتبرونه غير مستقر.
منظمات حقوقية ألمانية ترفع الصوت
تتوالى التحذيرات الحقوقية في ألمانيا مع تصاعد إجراءات سحب الحماية من اللاجئين السوريين، إذ ترى المنظمات المعنية – وفي مقدمتها برو أزيل – أن ما يجري لم يعد مجرد تشديد إداري، بل تحوّل واضح نحو تسييس ملف اللجوء وتحويله إلى ساحة أرقام ونسب تُستخدم لتهدئة التيارات اليمينية وصناعة انطباعات سياسية أكثر منها إنسانية.
وتؤكد هذه المنظمات أن القرارات الأخيرة تُتخذ بوتيرة متسارعة لا تتيح أي فحص فردي دقيق للحالات، وأن اللاجئ بات يُعامل كرقم في جدول إحصائي، لا كإنسان له ظروفه ومخاوفه وملفه الخاص.
وتذهب المنظمات أبعد من ذلك، معتبرة أن الحكومة تعتمد على تقييمات أمنية غير واقعية للوضع في سوريا، وتُصنّف مناطق بأنها “آمنة” رغم أن الوقائع على الأرض لا تزال مضطربة ومتقلبة، ما يجعل أي ترحيل محتمل انتهاكا صريحا لمبدأ عدم الرد القسري.
وتحذّر المنظمات من أن هذه السياسات لا تقتصر على سحب الحماية فحسب، بل تُنتج واقعا اجتماعيا جديدا داخل ألمانيا؛ واقعا يقوم على دفع آلاف اللاجئين إلى وضع التسامح المؤقت (Duldung)، وهو وضع قانوني هش لا يمنح صاحبه أي استقرار، ويحرمه من العمل الكامل والاندماج والتعليم، ويضعه في منطقة رمادية بين البقاء والرحيل.
عودة طوعية غير مسبوقة
كشفت بيانات المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة أن أكثر من 12,450 سوريا غادروا طوعا منذ مطلع عام 2026 وحتى نهاية حزيران في قفزة هائلة مقارنة بعام 2025 الذي لم يشهد سوى 1,244 حالة طوال العام.
ولفتت البيانات إلى أن هذا الارتفاع لا يقتصر على المغادرين عبر البرامج الرسمية؛ إذ تشير تقديرات منظمات إنسانية إلى نحو 8,000 مغادرة إضافية غير مسجلة، تمت عبر السفر الذاتي برا أو جوا، بعيدا عن أي دعم حكومي.
وكشفت البيانات أن دوافع المغادرة تختلف باختلاف الوضع القانوني لكل فئة، موضحة أن ربع العائدين تقريبا من حاملي الإقامات المستقرة اختاروا العودة بدافع الارتباط الأسري أو الرغبة في المساهمة في إعادة الإعمار خلال المرحلة الانتقالية في سوريا.
وأكدت أن الفئة الأكبر، وهي 45% من أصحاب ملفات التسامح المؤقت (Duldung) فضّلت المغادرة للاستفادة من مكافآت العودة بدلا من مواجهة شبح الترحيل القسري الذي يزداد واقعية يوما بعد يوم، فيما اتخذ 30% قرار العودة فور بدء إجراءات سحب الحماية من ملفاتهم، إدراكا منهم أن البقاء لم يعد خيارا آمنا أو مستقرا.

