

تتواصل فصول المأساة الإنسانية في قطاع غزة مع دخول الشتاء الأشد قسوة منذ سنوات، حيث تحوّلت الخيام التي تؤوي مئات آلاف النازحين إلى بيئةٍ قاتلة، خصوصاً للأطفال والرضّع الذين يفتقدون لأي وسيلة تحميهم من البرد القارس، ومع كل موجة منخفض جوي، تتكرر المشاهد ذاتها: خيام تغمرها المياه، أطفال يرتجفون من البرد، ونداءات استغاثة لا تجد طريقها إلى الاستجابة.
في فلطسين المحتلة البرد يتحوّل إلى سببٍ مباشرٍ للموت
وزارة الصحة في غزة وثّقت خلال الأسابيع الأخيرة وفاة عدد من الأطفال والرضّع نتيجة البرد القارس ونقص وسائل التدفئة، في خيام لا تقي من الرياح ولا من الأمطار.
تقارير أممية أشارت إلى أن ما لا يقل عن ثمانية مواليدٍ توفوا بسبب انخفاض درجات الحرارة خلال شهر واحد فقط من شتاء 2025، إلى جانب عشرات الأطفال الذين قضوا في ظروف مناخية قاسية داخل مخيمات النزوح.
وفي موجة برد لاحقة، أعلنت وزارة الصحة عن وفاة سبعة رضع خلال 48 ساعة فقط، بينهم طفلة لم تتجاوز شهرين، بعد أن تجمّد جسدها في خيمة لا تتوفر فيها أي وسيلة تدفئة، في مشهد يلخّص هشاشة الحياة في تلك المخيمات.

ملاجئ النازحين تتحول إلى بركٍ من الطين
العواصف الأخيرة كشفت ضعف البنية الإيوائية في القطاع، فآلاف الخيام تضررت أو انهارت بالكامل، فيما غمرت المياه مناطق واسعةً من مخيمات النزوح، ما أجبر العائلات على قضاء الليل في العراء أو تحت أغطية مبللة.
الأمم المتحدة أكدت أن معظم الخيام الحالية “لا تصلح للاستخدام في الظروف الشتوية”، وأن نقص مواد الإيواء الأساسية — مثل الخيام العازلة، أغطية، والملابس الشتوية — يُفاقم معاناة النازحين، خصوصاً الأطفال.

تحذيرات أممية من المساعدات المفقودة
منسقو الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية وصفوا الوضع بأنه “كارثةٌ تتسع”، مشيرين إلى أن الأطفال في غزة “يتعرضون لخطر الموت بسبب البرد قبل المرض والجوع”.
كما شددت التقارير الأممية على أن القيود المفروضة على دخول المساعدات، وغياب الوقود اللازم لتشغيل التدفئة في المستشفيات والملاجئ، يجعل من كل موجة برد تهديداً مباشراً لحياة الآلاف.
كما أشارت منظمات دولية إلى أن أكثر من مليون شخص يحتاجون إلى مأوى آمن، في وقت تتعرض فيه المساعدات للتأخير أو المنع عند المعابر.

التحذيرات الداخلية كانت امتداداً لسابقاتها الخارجية فالجمعيات الإنسانية العاملة في القطاع أكدت أن ما يصل من مساعدات لا يغطي سوى جزءٍ ضئيلٍ من الاحتياجات الفعلية، وفرق الإغاثة تحدثت عن عائلات تضطر لحرق البلاستيك أو قطع الخشب المبتلة لتدفئة أطفالها، ما يعرّضهم لمخاطر صحية إضافية مثل الاختناق والتسمم.
بين خيمة لا تقي من المطر، وليل طويل بلا دفء، تتجسد مأساة غزة في أبشع صورها، ومع استمرار العدوان، وتقييد المساعدات، وغياب الحل السياسي، يكون شتاء غزة هذه السنة فصلاً جديداً من المعاناة المعتادة التي لم تجد ما يوقفها حتى الآن.

