

أعلنت منظمة أطباء بلا حدود، الإثنين 15 حزيران، فصل 18 من موظفيها بعد تحقيقات في "مزاعم خطرة بالاستغلال والاعتداء الجنسي" أبلغت عنها لاجئات سودانيات في شرق تشاد.
وقالت المنظمة في بيان، "عندما أثبتت التحقيقات وجود سوء سلوك جسيم، اتُخذت إجراءات تأديبية فورية. ونتيجة لذلك، جرى فصل 18 موظفاً، ومُنعوا الآن من العمل مع منظمة أطباء بلا حدود".
وأضافت إن تحقيقاً موسعاً على خلفية تقارير لوكالة "أسوشيتد برس"، بدأ في خريف عام 2024 واستكمل في تموز 2025، كشف عن 59 انتهاكاً محتملاً تراوحت بين التحرش والانتهاك الجنسي، مما دفع المنظمة لفصل 18 موظفاً ومنعهم من العمل معها مستقبلاً.
وأكد التحقيق حدوث حالات استغلال جنسي متكررة للاجئات مقابل الحصول على الغذاء والماء وحليب الأطفال، فضلاً عن مقايضة الوظائف بالجنس، واستغلال قاصرات في الدعارة، مما يرجح وجود شبكات اتجار جنسي منظمة ومحمية من قبل أفراد كان يفترض بهم تقديم الحماية الإنسانية للاجئين.
وبين التحقيق أن هذه السلوكيات دفعت بقادة المجتمع المحلي لفرض حظر تجول ومنع الفتيات من الاقتراب من مقار المنظمة، بجانب رصد حادثة نقل 7 فتيات لاجئات بمركبة تابعة للمنظمة بحجة توظيفهن بأجر يومي في مواقع المياه، واقتيادهن لاحقاً لموقع معزول وتعريضهن لانتهاكات جنسية.
ثغرات إدارية واعتراف رسمي بالقصور
وخلص التحقيق إلى أن هذه النتائج لا تكشف إلا جزءاً يسيراً من الحقيقة، نظراً لرفض كثير من النساء التحدث خوفاً من قطع المساعدات والرعاية الطبية الشحيحة، مشيراً إلى أن موظفات تشاديات تعرضن للتهديد بالفصل حال رفضهن الانصياع لرغبات المشرفين.
وأقر التحقيق بوجود خلل إداري متمثل في غياب مراجعة السير الذاتية والتدقيق الجنائي للموظفين قبل تعيينهم بسبب ضغط الطوارئ والحاجة الملحة للكوادر، مما سمح بتوظيف أشخاص يمتلكون سوابق في سوء السلوك.
وعبّرت منظمة أطباء بلا حدود عن أسفها البالغ للأضرار الجسيمة التي لحقت بالضحايا، متعهدة بتحديث أنظمة الرصد وبناء قاعدة بيانات موحدة تمنع إعادة توظيف هؤلاء الأشخاص في أي بلد أو فرع آخر لها حول العالم.
فرار 900 الف سوداني إلى تشاد
وفقاً للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون للاجئين، لجأ أكثر من 900 ألف سوداني إلى تشاد منذ بداية النزاع، ويمثلون ثلث سكان المحافظات الشرقية في تشاد وهي مناطق تعاني أصلاً من شح الموارد وضعف البنية التحتية، ما دفع آلاف العائلات إلى الاعتماد الكامل على المساعدات الدولية للبقاء على قيد الحياة، وفتح الباب أمام ممارسات استغلالية خطيرة مثل مقايضة الغذاء والمأوى بالخدمات الجنسية
وتشكل هذه البيانات الصادرة المرآة الأكثر وضوحاً لحجم الهشاشة الإنسانية التي استغلتها شبكات الفساد والابتزاز داخل مخيمات شرق تشاد، حيث أدى الضغط السكاني الهائل والظروف المعيشية القاسية إلى تحويل اللاجئين—خصوصاً النساء والفتيات—إلى الحلقة الأضعف أمام أي انتهاكات.
وحذرت مفوضية اللاجئين من اتساع رقعة المخيمات وتحوّلها إلى تجمعات ضخمة مثل أدري وفارتشانا وأركونوم جعل الرقابة الإدارية شبه مستحيلة، فيما زادت العزلة الجغرافية من صعوبة وصول الضحايا إلى قنوات تبليغ آمنة، وسط خوف من الانتقام أو فقدان المساعدات المحدودة.
ودفع هذا الواقع المفوضية والوكالات الدولية إلى التحرك لإعادة هيكلة منظومات الحماية داخل المخيمات، عبر تعزيز فرق الحماية وفصل توزيع المساعدات عن سلطة الأفراد، وتفعيل خطوط تبليغ مستقلة وسرية تتيح للنساء والفتيات الإبلاغ دون خوف.
من هي منظمة أطباء بلا حدود؟
منظمة أطباء بلا حدود (Médecins Sans Frontières – MSF) هي منظمة طبية إنسانية دولية مستقلة، تعمل في خطوط التماس والأزمات الكبرى لتقديم الرعاية الطارئة للمتضررين من الحروب والأوبئة والكوارث، دون أي تمييز على أساس العرق أو الدين أو الانتماء السياسي.
تأسست عام 1971 في باريس على يد مجموعة من الأطباء والصحفيين الفرنسيين الذين أرادوا الجمع بين العمل الطبي الميداني وواجب “الشهادة العلنية” على الانتهاكات التي يشاهدونها، بعيداً عن الصمت الدبلوماسي الذي كان سائداً في العمل الإنساني آنذاك.
وتعتمد المنظمة في تمويلها على تبرعات خاصة تتجاوز 90% من ميزانيتها، ما يمنحها استقلالية واسعة وقدرة على التحرك في مناطق النزاع دون الخضوع لأجندات الدول أو ضغوطها السياسية، وجعلها هذا النموذج واحدة من أكثر المنظمات قدرة على الوصول إلى المناطق المحاصرة أو المنسية، حيث تتدخل وفق احتياجات السكان فقط.
حصلت أطباء بلا حدود على جائزة نوبل للسلام عام 1999 تقديراً لدورها في تقديم الرعاية الطبية الطارئة وتسليط الضوء على الأزمات المنسية حول العالم. واليوم تعمل المنظمة في أكثر من 70 دولة، ويضم طاقمها عشرات الآلاف من الأطباء والممرضين والمسعفين واللوجستيين، وتدار عملياتها عبر خمسة مراكز رئيسية في جنيف وباريس وبروكسل وأمستردام وبرشلونة.

