

انعكست أجواء التفاؤل الحذر بقرب توصل الولايات المتحدة وإيران إلى مذكرة تفاهم لتمديد وقف إطلاق النار، بشكل فوري ومباشر على خارطة الأسواق العالمية؛ حيث شهدت أسواق الطاقة والأسهم تفاعلاً ثنائياً متناقضاً تمثل في تبدد سريع لـ "علاوة الخوف" النفطية، مقابل انتعاش قياسي لشهية المخاطرة في أسواق الأسهم التي قادتها البورصات الآسيوية نحو مستويات تاريخية غير مسبوقة.
النفط يتراجع لأدنى مستوياته
سجلت أسعار النفط تراجعاً حاداً مع بداية التداولات الأسبوعية، لتتجه العقود الآجلة نحو أدنى مستوى إغلاق لها منذ أكثر من شهر، وتحديداً منذ مطلع أيار الجاري.
وهبطت العقود الآجلة لخام برنت القياسي العالمي بنسبة تجاوزت 4.5% لتستقر عند 98.83 دولاراً للبرميل، بعد أن كانت قد هبطت في المعاملات المبكرة بنسبة وصلت إلى 6.2% ملامسةً مستوى 97.10 دولاراً.
وفي السياق ذاته، هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 4.73% ليستقر عند 92.03 دولاراً للبرميل.
ويعزو الخبراء هذا الهبوط السريع إلى قناعة المتداولين بأن أسوأ سيناريوهات اندلاع صراع إقليمي شامل يعطل إمدادات النفط بشكل دائم قد بدأت تتلاشى.
ولم تقتصر موجة الهبوط على النفط الخام فحسب، بل امتدت لتشمل أسواق الغاز الطبيعي الأوروبي القياسي، الذي سجل تراجعاً موازياً بنسبة وصلت إلى 6.3%.
بورصة طوكيو تقود الأسهم العالمية لقمم تاريخية
في المقابل، استقبلت أسواق الأسهم العالمية أنباء التهدئة الجيوسياسية بارتفاعات قياسية؛ حيث تراجع الدولار الأميركي كملاذ آمن ليفتح المجال صعوداً أمام العملات الأجنبية كاليورو والين، مما دفع المؤشرات العالمية للتحليق؛
وقفز مؤشر "نيكاي" الياباني بنسبة 3% متجاوزاً مستوى 65 ألف نقطة للمرة الأولى في تاريخه ليغلق عند 65,158.19 نقطة، مدفوعاً بأسهم قطاع الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات الأكثر حساسية لأسعار الطاقة، تلاه صعود مؤشر "إم إس سي آي" لأسهم آسيا والمحيط الهادئ بنسبة 1%.
كما امتد الزخم إلى العقود الآجلة للأسواق الأميركية، حيث ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر "ناسداك" بنسبة 1.2%، ومؤشر "ستاندرد آند برو 500" بنحو 0.7%، رغم ضعف السيولة العام المترتب على الإغلاقات الرسمية في عطلات الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وهونغ كونغ.
معادلة مضيق هرمز والأسواق
يرتبط هذا التحول الهيكلي في الأسواق بشكل وثيق بمصير مضيق هرمز، الشريان الحيوي الذي كان يمر عبره في أوقات السلم نحو خُمس إمدادات النفط والغاز المسال العالمية.
وتتطلع الأسواق العالمية، ولا سيما كبار مستوردي الطاقة في آسيا مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية، إلى الفتح الكامل للمضيق الذي يخضع حالياً لإنتاج محدود للغاية مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.
وتشير ملامح مذكرة التفاهم المقترحة إلى اتفاق مبدئي لتمديد وقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً يتضمن البدء في إزالة الألغام البحرية لإعادة فتح المضيق، غير أن حالة من الغموض لا تزال تفرض نفسها؛
وكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن الحصار الأميركي سيستمر حتى استكمال الاتفاق النهائي رافضاً التسرع، في حين لوحت طهران عبر وسائل إعلامها بإمكانية انهيار المسودة بسبب العرقلة الأميركية لملف الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة.
ضغوط التضخم وتقلبات أسعار الفائدة
ودفعت الاضطرابات المستمرة في قطاع الطاقة على مدار الأشهر الثلاثة الماضية بالأسواق المالية إلى إعادة صياغة توقعاتها بشأن أسعار الفائدة عالمياً؛
وأدت المخاوف التضخمية الناجمة عن قفزة أسعار الوقود وبلوغ البنزين الأميركي أعلى مستوياته منذ عام 2022 إلى تراجع ثقة المستهلك الأميركي لأدنى مستوياتها في أيار الجاري.
ونتيجة لذلك، انقلبت رهانات المستثمرين رأساً على عقب؛ حيث أصبحت الأسواق تسعّر بالكامل قيام مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي برفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، في تحول حاد ومفاجئ مقارنة بالتوقعات التي سبقت اندلاع المواجهات والتي كانت تشير إلى خفضين متتاليين للفائدة، وهو ما يجعل إبرام اتفاق السلام مصلحة اقتصادية وسياسية ملحة لإدارة ترامب لخفض تكاليف الطاقة وإتاحة المساحة للفيدرالي لالتقاط الأنفاس.

