

تقترب أسواق الطاقة العالمية من طي صفحة أكبر تعطل لإمدادات النفط في التاريخ، والذي أدى لتوقف إنتاج أكثر من 14 مليون برميل يومياً من الشرق الأوسط جراء حرب الأشهر الثلاثة بين واشنطن وطهران.
ومع اقتراب موعد التوقيع الرسمي على اتفاق السلام والهدنة بين ايران والولايات المتحدة يوم الجمعة المقبل في جنيف، تراجعت أسعار النفط الخام إلى أدنى مستوياتها في ثلاثة أشهر مدفوعة ببدء تغيير مسار ناقلات النفط نحو الخليج العربي.
ويأتي هذا الانفراج الميداني تزامناً مع صدور التقرير الشهري لوكالة الطاقة الدولية الذي يتوقع قفزة قياسية في المعروض وعودة بناء الاحتياطيات الاستراتيجية، في وقت تترقب فيه الأوساط المالية انعكاس هبوط أسعار الوقود على قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة.
تراجع حاد للأسعار وبرنت يستقر قرب 79 دولاراً
واصلت أسعار النفط الخام تراجعها الحاد لتسجل أدنى مستوى لها منذ ثلاثة أشهر، اليوم الأربعاء 17 حزيران ، وسط تزايد توقعات المنتجين والتجار بأن يؤدي الاتفاق الأمريكي-الإيراني المرتقب لإعادة فتح مضيق هرمز إلى تدفقات مالية ونفطية ضخمة تخفف شح الإمدادات في سوق الخام العالمية.
واستقر سعر مزيج "برنت" المرجعي (تسوية آب) قرب 79.05 دولار للبرميل، بعدما انخفض بنحو 1.1% في التعاملات المبكرة، في حين تداول خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي (تسليم تموز/يوليو) قرب 76.18 دولار للبرميل (مسجلاً تراوحاً بين 75 و76 دولاراً وفقاً لبيانات الأسواق الموازية).
وعكست حركة التجارة اللوجستية بوادر الانفراجة، إذ أظهرت بيانات تتبع السفن قيام مالكي ناقلات النفط بإعادة توجيه سفنهم قبيل الافتتاح المحتمل للممر المائي، حيث غيّرت ناقلتان كانتا متجهتين إلى أفريقيا مسارهما في المحيط الهندي نحو الشرق الأوسط.
وتجلى انحسار شح الإمدادات في انكماش فارق السعر بين أقرب عقدين لمزيج برنت إلى 14 سنتاً فقط للبرميل في حالة التراجع الملحوظ لعلاوة التسليم الفوري (باكورديشن - Backwardation)، بعد أن كان الفارق قد ذروته عند 9.65 دولار في أوائل نيسان الماضي بفعل المخاوف الجيوسياسية.
وفي المقابل، أكد خبراء ومحللون – من بينهم باراش جاين من "إتش إس بي سي هولدينغز" ودينيس كيسلر من "BOK Financial Securities" – أن التعافي الكامل وحركة المرور سيتخذان مساراً تدريجياً؛ نظراً للحاجة إلى تسيير سفن إزالة الألغام ومرافقة العمليات البحرية الأمريكية للسفن خلال الأسابيع الأولى، لضمان استقرار سلاسل التوريد وتجنب الاضطرار لتغيير مسارات السفن مجدداً.
انخفاض البنزين في أمريكا واجتماع الفيدرالي
ساهم الهبوط المتواصل لأسعار الخام في خفض أسعار المشتقات والمواد المكررة، مما خفف الضغوط التضخمية عن كاهل المستهلكين؛ ففي الولايات المتحدة، انخفض متوسط سعر البنزين على مستوى البلاد إلى نحو 4 دولارات للغالون الواحد، متراجعاً عن ذروته القياسية التي تجاوزت 4.56 دولار في أيار/مايو الماضي وفق بيانات رابطة مصنعي السيارات الأمريكية.
وسيكون هذا التراجع في تكاليف الطاقة عنصراً بارزاً في حسابات مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) الذي يعقد صناع سياسته النقدية اجتماعاً اليوم الأربعاء لبحث أسعار الفائدة، وسط توقعات واسعة النطاق بالإبقاء على تكاليف الاقتراض الحالية دون تغيير في هذا الاجتماع بانتظار استقرار الأسواق.
الطاقة الدولية: توقعات عام 2027 ومخزونات قياسية
وفي سياق متصل، أصدرت وكالة الطاقة الدولية تقريرها الشهري عن سوق النفط اليوم الأربعاء، متوقعة تعافياً تدريجياً للسوق العالمية من آثار إغلاق مضيق هرمز قبل أن يتحول ميزان السوق إلى فائض ضخم في المعروض بحلول عام 2027.
وأشارت الوكالة في أولى توقعاتها المستهدفة لعام 2027 إلى أن المعروض العالمي من النفط سيرتفع بنحو 8 ملايين برميل يومياً، في حين سينمو الطلب بمقدار مليوني برميل يومياً فقط، مما يمنح الدول فرصة لإعادة ملء الخزانات المستنفدة وبناء احتياطيات استراتيجية جديدة مراجعةً لسياساتها الطاقوية استجابة للأزمة الأحدث.
وجاءت البيانات الإحصائية والتقديرية للوكالة لتعكس الآتي:
حجم المعروض لعام 2026: يتوقع انخفاض المعروض العالمي من النفط بمقدار 3.9 ملايين برميل يومياً على أساس سنوي في عام 2026 ليصل إلى 102.4 مليون برميل يومياً نتيجة تداعيات الحرب.
قفزة عام 2027: يتوقع ارتداد المعروض وارتفاعه إلى 110.3 ملايين برميل يومياً العام المقبل مع استئناف الصادرات الإيرانية بالكامل وتدفقات الخليج العربي.
تآكل المخزونات: حذرت الوكالة من أنه بالرغم من الانخفاضات الحالية في الأسعار، فإن مخزونات النفط الخام العالمية لا تزال تتآكل وتُستنزف بوتيرة قياسية وقد تصل لمستويات تاريخية منخفضة خلال العام الجاري قبل انعكاس الآية؛ وتوافق ذلك مع تقديرات معهد صناعي أمريكي أشار إلى انخفاض المخزونات الأمريكية بمقدار 8.3 ملايين برميل الأسبوع الماضي، لاسيما في مركز التخزين الرئيسي ببلدة "كوشينغ" بولاية أوكلاهوما.

