

تقرير ــ السورية نيوز
على الرغم من الانخفاض الملحوظ الذي شهدته أسعار النفط العالمية عقب إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، إلا أن القارة الأوروبية لا تزال عاجزة عن التقاط أنفاسها الاقتصادية.
فالمؤشرات الحالية تؤكد أن العودة إلى مستويات ما قبل الأزمة ليست قريبة، نظراً للارتباط العضوي بين أمن الطاقة الأوروبي واستقرار سلاسل الإمداد العالمية التي تعرضت لأكبر اضطراب في تاريخها نتيجة إغلاق مضيق هرمز والغارات الجوية على منشآت الخليج الحيوية.
لغة الأرقام وتأثير المضيق
وتتجلى مفارقة الأزمة بحسب تقرير لشبكة يورو نيوز الأوروبي في أن أوروبا، التي لا تستورد سوى 4% فقط من احتياجاتها النفطية مباشرة عبر مضيق هرمز، تجد نفسها المتضرر الأكبر من تقلباته؛ إذ إن خروج 15 مليون برميل يومياً من السوق العالمية خلال ذروة الصراع دفع بأسعار العقود الآجلة من 72 دولاراً إلى نحو 120 دولاراً للبرميل.
ورغم التهدئة الحالية، استقر السعر عند مستويات مرتفعة تناهز 93 دولاراً، مما يعكس تخوف الأسواق من هشاشة الاتفاقات السياسية مقابل فداحة الخسائر في الإنتاج الفعلي.
علاوة المخاطر وتكاليف الشحن
ولا يتوقف الأمر عند سعر البرميل الخام، بل يمتد إلى "علاوة المخاطر" التي يفرضها المتعاملون والمؤمنون؛ فقد قفزت تكاليف الشحن البحري لمستويات قياسية، حيث سجل مؤشر "بالتيك ديرتي تانكر" أكثر من 3700 نقطة في آذار الماضي. وبما أن أقساط التأمين ضد أخطار الحرب تضاعفت أربع مرات، فإن كلفة وصول الوقود إلى الموانئ الأوروبية تظل باهظة، ويتوقع المحللون أن يستغرق التعافي اللوجستي أشهراً لضمان سلامة المرور الملاحي بشكل مستدام.
معضلة الغاز والدمار الهيكلي
أما في قطاع الغاز، فالوضع يبدو أكثر تعقيداً، إذ إن الأضرار الجسيمة التي لحقت بمجمع "رأس لفان" في قطر أخرجت جزءاً كبيراً من الإنتاج العالمي عن الخدمة، مع تقديرات بأن تستغرق عمليات الإصلاح الشاملة ما يصل إلى خمس سنوات.
هذا النقص الحقيقي في الغاز الطبيعي المسال، الذي تعتمد عليه أوروبا بنسبة 40%، يضع القارة في منافسة شرسة مع الأسواق الآسيوية، مما يُبقي أسعار الغاز فوق حاجز 40 يورو لكل ميغاواط ساعة، وهو مستوى أعلى بكثير مما كان عليه قبل الحرب.
جيب المستهلك وتحديات الصرف
وبالانتقال إلى التأثير المباشر على الأسر الأوروبية، تساهم آليات التسعير المعتمدة على "كلفة المصدر الأعلى" في بقاء فواتير الكهرباء مرتفعة، كون الغاز هو المحرك الرئيسي لمحطات التوليد.
وتزداد المعادلة تعقيداً داخل الأسواق المحلية الأوروبية، حيث ترتبط أسعار الكهرباء في دول مثل ألمانيا بأسعار الغاز بالجملة بنسبة تصل إلى 40%، بينما تشكل كلفة الغاز ما بين 50% إلى 60% من فواتير المنازل. وبما أن النفط يُسعر بالدولار، فإن ضعف اليورو يمتص أي انخفاض في الأسعار العالمية، مما يجعل التراجع الذي يلمسه المواطن بطيئاً جداً. ويُضاف إلى ذلك استنزاف احتياطي وكالة الطاقة الدولية البالغ 400 مليون برميل، مما يفرض ضغوط شراء إضافية لإعادة ملء المخزونات، ويُبقي الأسعار فوق حاجز الـ 40 يورو للميغاواط ساعة في المدى المنظور.
كما يلعب ضعف اليورو أمام الدولار دوراً سلبياً مضاعفاً، حيث يتم تسعير النفط بالعملة الأمريكية، مما يعني أن أي استقرار في السعر العالمي قد لا يشعر به المواطن الأوروبي عند المضخة نتيجة فرق العملة والضرائب الوطنية التي تختلف من دولة إلى أخرى.
أفق السلام المشروط
ويجمع الخبراء على أن التوصل إلى اتفاق سلام نهائي هو الخطوة الأولى فقط، لكن "الوضع الطبيعي الجديد" يتطلب وقتاً طويلاً لإعادة ملء المخزونات الاستراتيجية وترميم ما دمرته الحرب. فبينما تمتلك أوروبا أدوات مؤقتة مثل خفض الضرائب وترشيد الاستهلاك، يظل استقرار الأسعار المستدام رهيناً بمدى متانة وقف النزاع وقدرة إيران على إعادة ضخ كميات إضافية للسوق بسرعة، وهو سيناريو يظل معلقاً بتفاصيل الاتفاق السياسي النهائي ومدى شعور الأسواق بجدية التهدئة.

