-1781855755345-5c675045a9c85.jpg)
-1781855755345-5c675045a9c85.jpg)
فتحت مذكرة التفاهم الأخيرة الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، الباب واسعاً أمام طهران للوصول إلى مليارات الدولارات من أصولها المالية المحتجزة والمقيدة في مختلف أنحاء العالم كأداة ضغط سياسي واقتصادي متبادل.
ونصّت المادة 11 من المذكرة الدبلوماسية المشتركة على تعهد واشنطن الصريح بإتاحة الأموال والأصول الإيرانية المجمدة أو المقيدة للاستخدام الكامل فور بدء تنفيذ الاتفاق، مع التزام الطرفين بالاتفاق على آليات الإفراج خلال المفاوضات، وإصدار الولايات المتحدة لكافة التراخيص والتصاريح اللازمة عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) لتكون هذه الأموال متاحة بالكامل لتسديد المدفوعات لأي مستفيد نهائي يحدده البنك المركزي الإيراني.
تقديرات متباينة
تراوحت التقديرات الاقتصادية المتداولة لحجم الأصول الإيرانية المقيّدة في الخارج بين 80 و120 مليار دولار، تبعاً لاختلاف التعريف القانوني والمالي للأصول المشمولة ومدى إمكانية الوصول الفعلي إليها. وأظهرت تقارير التحليلات المالية الدولية غياب إحصاءات رسمية موحدة لهذه الأموال بسبب تعقد طبيعتها التشريعية، مع إشارة الخبراء إلى أن القيمة السائلة والمتاحة فعلياً قد تكون أقل من حد الـ 80 مليار دولار؛ نظراً لأن جزءاً كبيراً من هذه الأرصدة، لا سيما المتواجدة في الصين، محفوظ على شكل حسابات ضمان (Escrow) أو اتفاقيات تجارة مقايصة (Barter) غير سائلة تماماً، مما يحد من قدرة إيران على التصرف الحر بها أو تحويلها إلى سيولة نقدية مباشرة.
جذور تاريخية
بدأت قصة تجميد الأموال الإيرانية في أعقاب الثورة الإسلامية عام 1979 وأزمة احتجاز الرهائن الأمريكيين الشهيرة في سفارة واشنطن بطهران، والتي شكلت نقطة التحول الرئيسية في قطع العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية بين البلدين.
ورصدت السجلات التاريخية لوزارة الخارجية الأمريكية رد الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر آنذاك بتجميد حوالي 12 مليار دولار (بقيمة ذلك الوقت) من الأصول الإيرانية، في واحد من أوائل وأبرز استخدامات قانون الطوارئ الاقتصادية الدولية (IEEPA)، قبل أن تتسع دائرة التجميد على مدار العقود الأربعة الماضية لتتحول الأرصدة إلى رهينة لملفات سياسية وأمنية شائكة، أبرزها المخاوف الدولية من مستويات تخصيب اليورانيوم وتراكم المخزون في البرنامج النووي، وتطوير الصواريخ الباليستية، ودعم الجماعات المسلحة في الشرق الأوسط.
خارطة التوزيع
توزعت الأرصدة الإيرانية المحتجزة بشكل رئيسي في البنوك الآسيوية والأوروبية نتيجة لتراكم عائدات مبيعات النفط والغاز والطاقة خلال فترات تشديد العقوبات الدولية.
وكشفت البيانات المالية المنشورة من وزارة الخزانة الأمريكية عن احتجاز الصين لحصة الأسد بأصول تتراوح بين 20 و50 مليار دولار، تليها جمهورية العراق بمستحقات طاقة وكهرباء تبلغ بين 6 و15 مليار دولار، في حين تحتجز الهند وكوريا الجنوبية حوالي 7 مليارات دولار لكل منهما (جرى نقل 6 مليارات من الأموال الكورية إلى حسابات مقيدة في قطر عام 2023)، تضاف إليها أرصدة في اليابان تتراوح بين 1.5 و3 مليارات دولار، ونحو 1.6 مليار دولار مجمدة في لوكسمبورغ لدى شركة "Clearstream" ضمن نزاع قانوني معقد، إلى جانب ملياري دولار مجمدة مباشرة داخل الولايات المتحدة.
آليات الإفراج
اعتمدت خطط الإفراج والتحويل المتوقعة بموجب تفاهمات حزيران 2026 على آليات رقابية مشددة تضمن عدم تدفق الأموال نقداً وبشكل مباشر إلى خزينة طهران لتجنب استخدامها في أغراض عسكرية. وبحسب التوقعات الصادرة عن مراكز المقاصة والمصارف الدولية، سيرتبط الإفراج تدريجياً بتعهدات نووية وأمنية ملموسة، مع تداول تقديرات بإمكانية تحرير ما بين 12 و24 مليار دولار في المرحلة الأولى عبر قنوات بنكية في دول ثالثة كقطر وعُمان لشراء السلع الإنسانية والطبية فقط، أو عبر تفعيل التراخيص المشروطة لمكتب "أوفاك"، وتوسيع تجارة المقايصة المباشرة لتأمين الواردات السلعية، في محاولة لإنقاذ الاقتصاد الإيراني الذي يعاني من تضخم مزمن تجاوز 40% وتراجع حاد في قيمة العملة المحلية (الريال).
مصادر إيرانية اكدت أن قضية الأصول الإيرانية المجمدة تعد واحداً من أعقد الملفات التي تختزل تداخل السياسة بالاقتصاد في العلاقات الدولية على مدار العقود الأربعة الماضية.
وقالت : عند توقيع الاتفاق النووي التاريخي (JCPOA) عام 2015، تنفس الاقتصاد الإيراني الصعداء بعد منحه حق الوصول إلى جزء كبير من أمواله المقيدة، قبل أن يعيد انسحاب الرئيس دونالد ترامب عام 2018 وفرضه لسياسة "الضغط الأقصى" إغلاق هذه الحسابات وتراكم الأرصدة مجدداً في البنوك العالمية.
وأشارت المصادر الإيرانية: أن مذكرة تفاهم إسلام آباد في حزيران 2026 جاءت لتعيد الدورة نفسها ضمن معادلة "الأموال مقابل الالتزامات"، حيث تدرك واشنطن أن ملف التعافي الاقتصادي هو الورقة الأكثر حساسية لدى صانع القرار في طهران، بينما ترى إيران في هذه الأموال حقاً سيادياً معطلاً يعيق تنميتها الطويلة الأمد ويتحمل المواطن العادي كلفته الاقتصادية والمعيشية مباشرة.

