

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، عقب قمة ثنائية استضاف فيها رئيس الوزراء النرويجي جوناس غار ستوره في قصر الإليزيه، انضمام النرويج رسمياً إلى مشروع "الردع النووي المتقدم" الذي تقوده باريس.
وتأتي هذه الخطوة البارزة لتؤكد دخول القارة الأوروبية مرحلة جديدة كلياً من التفكير في أمنها النووي الجماعي، وسط تصاعد الشكوك الإقليمية حول مدى استمرارية المظلة الأمنية الأمريكية التقليدية التي حمت القارة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
توسيع شبكة الحماية الفرنسية
أصبحت النرويج بموجب هذا الإعلان أحدث دولة تحصل على "الحماية النووية الفرنسية المنسقة"، لتسير على خطى بولندا وليتوانيا اللتين تتشاركان أيضاً حدوداً مباشرة مع روسيا.
وبانضمام أوسلو، ارتفع عدد الدول المنضوية تحت لواء هذا البرنامج إلى تسع دول؛ وهي: بولندا، وبلجيكا، والدنمارك، وألمانيا، واليونان، وهولندا، والسويد، والمملكة المتحدة (التي تعد القوة النووية الأخرى في القارة)، مما يوسع المشروع متجاوزاً حدود مؤسسات الاتحاد الأوروبي التقليدية نحو صياغة فضاء أمني أوروبي شامل.
العقيدة النووية الجديدة لباريس
أرسى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الخطوط العريضة لهذا الاتفاق مؤكداً أنه "يرسخ مبدأ المساعدة المتبادلة بين البلدان، ويدعم طموحات أوروبا لتحقيق قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية".
وكان ماكرون قد كشف في آذار 2026 من قاعدة "إيل لونغ" النووية في بريتاني، عن أكبر تعديل للعقيدة النووية الفرنسية منذ عقود عبر زيادة حجم الترسانة (290 رأساً نووياً موزعة بين غواصات وطائرات رافال) للمرة الأولى منذ عام 1992، مع حرص باريس على إبقاء "الزر النووي" فرنسياً وحصرياً دون تقاسم قرار الاستخدام مع الحلفاء.
موقف النرويج والحدود الروسية
أوضح رئيس الوزراء النرويجي، جوناس غار ستوره، في تصريحات لوكالة الأنباء النرويجية "إن تي بي" (NTB)، أن الاتفاق لا يتضمن نشر أي أسلحة نووية على الأراضي النرويجية خلال أوقات السلم، بل يعزز التعاون عبر هياكل وخطط ملموسة، ونشر مسبق للمعدات، فضلاً عن مواجهة الحرب الهجينة والأمن السيبراني والفضائي ودعم أوكرانيا.
ويشكل هذا التحول خطوة حساسة لكون الدولة الإسكندنافية (5.6 ملايين نسمة) عضواً في الناتو وليست في الاتحاد الأوروبي، وتتشارك مع روسيا حدوداً شمالية تعد من أكثر خطوط التماس سخونة في القطب الشمالي.
إعادة توزيع أعباء الأطلسي
شدد رئيس الوزراء النرويجي ستوره على أن الردع الأساسي لبلاده سيظل قائماً على حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة، مستدركاً بأن القدرات الفرنسية تمثل "مساهمة مهمة في منظومة ردع الحلف".
وأضاف ستوره قائلاً: "معاً نعمل على إعادة توزيع الأعباء، وقبل مجيء ترامب بوقت طويل أصبح من الضروري أن تدفع أوروبا المزيد وأن تقوم باستثمارات أكثر حكمة وصورة منسقة"، في إشارة إلى تبدل السياق الجيوسياسي منذ اندلاع حرب أوكرانيا وعودة دونالد ترامب بخطابه المتشدد الذي يطالب الأوروبيين بدفع كلفة أمنهم.
إرث ديغول وتعقيدات المستقبل
أعادت الذاكرة الاستراتيجية الفرنسية ربط هذه العقيدة بمفهوم "الاستقلال النووي" الذي بناه الجنرال شارل ديغول على رفض الخضوع للمظلة الأمريكية، حيث تقدم باريس نفسها اليوم كـ "الضامن النووي الوحيد" داخل التكتل الأوروبي بعد خروج بريطانيا (بريكست).
ورغم التأكيدات الرسمية بأن المشروع يكمل الناتو ولا ينافسه، إلا أن مراقبين أكدوا وجود تعقيدات ومخاوف لدى بعض الدول الأوروبية من أن يؤدي تعزيز الدور الفرنسي إلى استفزاز موسكو بشكل أكبر، أو تحويل القارة تدريجياً إلى فضاء نووي متعدد المراكز، في وقت بات فيه الأوروبيون يتحدثون علناً عن جيوش مشتركة وصناعات دفاعية مستقلة عن القرار الأمريكي.

