
وداعاً لزمن الغذاء الرخيص عالمياً.. مؤشر "الفاو" يستقر قرب أعلى مستويات الأسعار

استقرَّ مؤشر منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة "فاو" لأسعار الغذاء العالمية خلال شهر أيار المنصرم قرب أعلى مستوياته المسجلة منذ أكثر من ثلاثة أعوام، مبرزاً نهاية حقبة السلع الرخيصة.
ورغم تسجيل المؤشر تراجعاً طفيفاً للغاية بنسبة 0.2 نقطة مقارنة بشهر نيسان الماضي نتيجة هبوط أسعار زيتي النخيل والصويا، إلا أن المتوسط العام استقر عند 130.8 نقطة، ليبقى أعلى بنسبة 2.9% مقارنة بمستوياته المسجلة قبل عام، ومثبتاً تأثره المباشر باضطرابات تدفقات المدخلات الزراعية الناجمة عن التوترات العسكرية الإقليمية في الشرق الأوسط.
و ذكرت الفاو في تقرير لها أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط أدت إلى حدوث اختناقات حادة في حركة ناقلات الوقود وشحنات الأسمدة الكيماوية عبر مضيق هرمز الإستراتيجي، مما تسبب في قفزات متتالية لأسعار المواد الأولية اللازمة للزراعة؛ وانعكس هذا الارتفاع طردياً على تكاليف إنتاج المحاصيل الأساسية كالذرة والأرز والقمح، وسط تحذيرات أطلقتها نقابات كبار المزارعين عالمياً من تراجع محتم في حجم الإنتاج السنوي؛ ويتألف مؤشر المنظمة الأممية من خمسة مؤشرات فرعية تزن حركة أسعار الحبوب، والزيوت، واللحوم، ومنتجات الألبان، والسكر، مرجحة بحصص الصادرات الدولية.
قفزات في أسعار الحبوب والسكر وموازنة الزيوت
وصعدَ مؤشر أسعار الحبوب بحسب الفاو بنسبة 2.6% في أيار ليصل إلى 114.3 نقطة، مدفوعاً بارتفاع أسعار القمح عالمياً للشهر الرابع على التوالي جراء توقعات الطقس السلبية وانخفاض جودة محصول القمح الشتوي في الولايات المتحدة الأمريكية لأدنى مستوياتها منذ عقود.
كما واصلت أسعار الذرة تلقي الدعم بفعل تنامي طلب الاستيراد في الأسواق الناشئة وتراجع معروض البرازيل، بالتوازي مع قفزة بنسبة 2.7% في مؤشر الأرز نتيجة مخاوف المناخ الآسيوي.
وفي سياق متصل، قفز مؤشر السكر بنسبة 7.5% مسجلاً 95.1 نقطة وهو أعلى مستوى له منذ أواخر عام 2025، مدعوماً بمخاوف تشديد الإمدادات وتوجيه المصانع البرازيلية لقصب السكر نحو إنتاج الوقود الحيوي (الإيثانول).
وسجّلَ مؤشر الزيوت النباتية، في المقابل، انخفاضاً بنسبة 4.6% مستقراً عند 185 نقطة ليمثل أول تراجع شهري له منذ مطلع عام 2026، مستفيداً من ضعف الطلب العالمي على زيت النخيل وضبابية أسواق النفط الخام، وهو ما غطى على الارتفاع المستمر لزيت دوار الشمس الناجم عن شح المعروض الأوكراني.
كما تراجع مؤشر الألبان بنسبة 0.5% مسجلاً 119.2 نقطة بفعل زيادة المعروض من دهن الحليب واشتعال المنافسة بين مصدري الزبدة في أوروبا وأوقيانوسيا.
انكماش الإنتاج ومستقبل الأمن الغذائي
تأتي هذه المعطيات الرقمية المتصلبة لتتكامل مع نشرة المنظمة التشاؤمية لموسم 2026/2027، حيث رجحت "الفاو" تراجع إنتاج الحبوب العالمي بنسبة 2% على أساس سنوي ليهبط إلى 2.982 مليار طن، شاملاً الأرز بعد الطحن.
ويشكل هذا التراجع انكماشاً واضحاً مقارنة بالمحصول القياسي لعام 2025 الذي بلغ 3.043 مليارات طن، متأثراً بالانخفاض النسبي في مساحات القمح.
وتتوقع الموازين الاقتصادية ارتفاع استخدام الحبوب العالمي بنسبة 0.6% وتراجع المخزونات الاحتياطية بنسبة 0.3% لتصل إلى 949 مليون طن.
وتضع هذه الفجوة الإنتاجية المتزامنة مع تراجع تجارة الشعير والقمح دول العالم أمام تحديات معقدة ترتبط بالأمن الغذائي وسلاسل التوريد؛ إذ يتوقع خبراء أسواق المال أن يؤدي تضافر كلف الطاقة المرتفعة مع اشتعال الحروب الجيوسياسية وفقدان الليرة السورية وعملات دول ناشئة لقيمتها أمام الدولار، إلى زيادة الضغوط التضخمية على الحكومات المستوردة، مما يحتم على المجتمع الدولي دعم آليات الإنتاج المحلي وتسهيل عبور المدخلات الزراعية لتجنيب المجتمعات الهشة خطر اضطراب الإمدادات وشبح المجاعات خلال النصف الثاني من العام الحالي.

