
مليون ملجأ قيد الدراسة.. كيف تستعد ألمانيا لسيناريوهات الطوارئ والحروب؟

تواجه المانيا مأزقاً استراتيجياً يتعلق بجاهزية البنية التحتية المخصصة للدفاع المدني، في وقت كشفت فيه البيانات الرسمية عن غياب أي ملجأ عام واحد صالح للتشغيل الفوري في البلاد، ومن أصل نحو ألفي مخبأ كانت قائمة إبان حقبة الحرب الباردة.
وبحسب المصادر الألمانية فقد تسببت قرارات التفكيك السياسي التي اتُّخذت عام 2007 في خروج معظمها من الخدمة وتحويلها إلى متاحف أو مخازن، ولم يتبق منها سوى 580 منشأة تُركت للتآكل دون صيانة لشبكات مياهها وتهويتها منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي.
مبادرات مدنية لترميم مخابئ برلين القديمة
أمام هذا الواقع والإنذارات الجوية المتكررة في دول الجوار مثل ليتوانيا، قررت جمعية "برلينر أونترڤلتن" (Berliner Unterwelten) التحرك ذاتياً لإعادة تأهيل منشأتين محصنتين تحت الأرض في العاصمة برلين يعود تاريخ بنائهما الأولي إلى عام 1941.
وأوضح كاي هاينه، المسؤول في الجمعية، أن المتطوعين بدأوا بتجهيز الكراسي القابلة للطي وعبوات المياه لإيواء نحو 900 شخص لعدة ساعات، مؤكداً أن هذه الجدران الخرسانية السميكة توفر حماية حقيقية ضد طيف التهديدات الحديثة المتمثلة في الطائرات المسيرة الانتحارية متوسطة وصغيرة الحجم التي تهدد المدن في أوكرانيا والشرق الأوسط، على عكس الصواريخ الباليستية العابرة للقارات التي تُلغي جدوى الملاجئ التقليدية.
من جهتها، تحاول الحكومة الاتحادية تدارك الفجوة الأمنية؛ حيث أعلن وزير الداخلية، ألكسندر دوبرينت، عن حزمة استثمارات طارئة للحماية المدنية بقيمة 10 مليارات يورو تمتد حتى عام 2029، مشيراً إلى أن الواقع الأمني الجديد يتطلب التخلي الكامل عن نموذج ثمانينيات القرن الماضي المركزي، نظراً لأن أوقات الإنذار أصبحت أقصر والسرعة أعلى بكثير، وفي ذات السياق.
وقال الوزير الاملاني: يعمل "المكتب الاتحادي لحماية السكان والإغاثة في الكوارث" (BBK) على استراتيجية لامركزية تعتمد على حصر وتحديد المباني القائمة، مثل عمارات الإيجار، ومواقف السيارات تحت الأرض، ومحطات المترو، لتقليص مسافات وصول السكان إليها، بالتوازي مع خطة وضعتها رئاسة المكتب لبناء مليون نقطة حماية مدعومة بتطبيق ذكي يرشد المواطنين لأقرب ملجأ.
انتقادات لاذعة وتشكيك في خطة "الأقبية السكنية"
في المقابل، قوبلت الرؤية الحكومية بتشكيك حاد من قِبل خبراء الحماية الجوية؛ حيث وصف نيلس برينيكه، خبير الدفاع المدني ومدير "متحف الملاجئ الألماني" في شفِينفورت والحائز على وسام الاستحقاق الاتحادي، التوجه نحو استخدام الأقبية العادية بأنه "محاولة لتهدئة الرأي العام تعكس حالة يأس كاملة".
وأكد برينيكه أن جدران الأقبية السكنية بسماكة 30 سنتيمتراً لا تقدم أي حماية فعلية أمام أسلحة اليوم مقارنة بالمخابئ التاريخية (مثل المخبأ العلوي A8) التي تبلغ سماكة جدرانها بين مترين وثلاثة أمتار.
واعتبر برينيكه أن قرار تجميد صيانة الملاجئ بعد عام 2007 بناءً على فرضية انتهاء التهديدات العسكرية كان "تصرفاً أحمق ومتساهلاً"، داعياً لإعادة تأهيل المنشآت الضخمة المتبقية وتثقيف المجتمع، لاسيما وأن دولاً أوروبية أخرى مثل لوكسمبورغ وهولندا وفنلندا تتقدم بمراحل عبر تنظيم تدريبات ميدانية منتظمة مع سكانها.
عقيدة السلام وعقيدة الحرب
يمثل التحول المفاجئ في ملف الدفاع المدني في ألمانيا نموذجاً صارخاً لتبعات "عقيدة السلام" التي تبنتها أوروبا الغربية عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، حيث ساد الاعتقاد بأن الحروب التقليدية أصبحت جزءاً من الماضي، مما دفع الحكومات المتعاقبة إلى التخلص من الأعباء المالية لصيانة التحصينات تحت الأرض.
وأشارت المصادر الأوروبية إلى أنه اليوم، ومع دخول القارة العجوز حقبة "اقتصاد الحرب" وظهور سلاح المسيرات الرخيصة والمؤثرة، تجد برلين نفسها مرغمة على إعادة ابتكار منظومة دفاعية من نقطة الصفر، وسط معضلة هندسية بين الملاجئ المركزية الحصينة بطيئة الوصول، والحلول اللامركزية السريعة (الأقبية ومواقف السيارات) لكنها ضعيفة المقاومة للقصف المباشر.

