

لقي ما لا يقل عن 90 شخصاً مصرعهم، وأصيب العشرات جراء انفجار غازي عنيف وقع داخل منجم فحم شمال شرق الصين، ما دفع الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى إصدار أوامر فورية بفتح تحقيق شامل ومعمق في ملابسات الحادثة، مشدداً في الوقت عينه على ضرورة استخلاص الدروس القاسية لمنع تكرار مثل هذه الكوارث الصناعية.
وقع الانفجار المدمر داخل منجم الفحم المعروف باسم "ليوشينيو" الواقع في مقاطعة تشينغيوان، في وقت كان يتواجد فيه نحو 247 عاملاً تحت الأرض لحظة وقوع الحادث، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الصينية الرسمية "شينخوا" عن السلطات المحلية والميدانية.
غاز قاتل مباغت واستنفار طبي لإنقاذ الضحايا
أفادت قناة "سي سي تي في" الرسمية بارتفاع حصيلة الضحايا إلى 90 قتيلاً على الأقل، في حين استقبلت المستشفيات 123 عاملاً مصاباً لتلقي العلاج الطارئ، من بينهم أربعة عمال لا يزالون في حالة صحية حرجة جداً، بينما تمكن 33 مصاباً من العودة إلى منازلهم بعد تحسن حالتهم، وسط استمرار عمليات الإنقاذ والبحث المكثفة عن مفقودين محتملين حتى ظهر اليوم السبت.
عزت السلطات الصينية في روايتها الأولية الأسباب التقنية للحادث إلى تجاوز مستويات غاز "أول أكسيد الكربون" السام والقاتل للحدود المسموح بها داخل دهاليز المنجم، موضحة أن المعطيات تشير إلى حدوث انفجار غازي ناجم عن تراكم غاز الميثان المنبعث من الفحم نتيجة ضعف التهوية، تلاه اشتعال بشرارة عابرة أدت إلى انبعاث الغازات الخانقة عديمة الرائحة.
شهادات حية من موقع الانفجار وإجراءات قانونية
نقلت وسائل الإعلام الرسمية شهادة حية ومؤثرة لأحد العمال المصابين الناجين، ويدعى "وانغ يونغ"، الذي أوضح أنه لم يسمع دوي انفجار تقليدي، بل فوجئ بسحابة كثيفة ومفاجئة من الدخان الكبريتي، مستذكراً اللحظات العصيبة بالقول: "صرخت على الناس كي يهربوا، وخلال الركض رأيت زملائي يسقطون أرضاً بسبب اختناقهم بالغازات، قبل أن أفقد وعيي تماماً لقرابة ساعة، ثم نهضت وناديت من حولي وخرجنا".
وضعت الأجهزة الأمنية والقضائية الصينية أحد المسؤولين التنفيذيين عن الشركة المشغلة للمنجم "قيد السيطرة وفقاً للقانون" لمباشرة التحقيقات معهم، دون الكشف عن مزيد من التفاصيل حول طبيعة التهم؛ في حين أوعز رئيس الوزراء "لي تشيانغ" بضرورة ضمان نشر المعلومات والبيانات للرأي العام في حينها وبشكل دقيق، مع تطبيق مبدأ المساءلة الصارمة بحق المقصرين.
سجل حافل بالتجاوزات وأزمة طاقة مستدامة
واجهت مجموعة "تونغتشو غروب"، وهي الشركة المشغلة لمنجم "ليوشينيو" المنكوب، عقوبتين إداريتين صارمتين خلال العام الماضي 2025 جراء مشكلات فنية خطيرة ورصد ثغرات تتعلق بسلامة العمال، مما يسلط الضوء مجدداً على تراخي تطبيق إجراءات الأمان والسلامة المهنية في بعض المواقع التابعة لهذا القطاع الحيوي.
تعتمد جمهورية الصين الشعبية، التي تُصنف كأكبر مصدر لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون في العالم، بشكل أساسي ومحوري على الفحم الحجري لتأمين احتياجاتها الضخمة من الطاقة وتوليد الكهرباء، برغم الخطط الحكومية الرامية للتوسع في بدائل الطاقة المتجددة، ليبقى هذا القطاع الذي يوظف أكثر من 1.5 مليون عامل ساحة لحوادث متكررة برغم التحسن النسبي لمعايير السلامة خلال العقود الأخيرة.
تاريخ طويل من الحوادث
يعيد هذا الحادث الأليم إلى الأذهان تاريخاً طويلاً من الكوارث المأساوية التي شهدها قطاع التعدين في الصين؛ ففي نوفمبر من عام 2009، أسفر انفجار ضخم في منجم بمقاطعة هيلونغجيانغ بأقصى شمال شرق البلاد عن مقتل ما يزيد على 100 عامل. كما شهد شهر شباط من عام 2023 كارثة أخرى في منطقة منغوليا الداخلية (شمالاً)، إثر انهيار منجم فحم مكشوف تسبب في طمر عشرات المركبات والآليات وخلّف 53 قتيلاً، مما يبرز حجم التحديات الهيكلية التي تواجهها السلطات في ضبط أمن هذا القطاع.
وتكشف هذه الكارثة عن الفجوة القائمة بين سعي الصين الدؤوب لضمان تدفقات الطاقة اللازمة لتشغيل مصانعها الضخمة، وبين متطلبات السلامة الصارمة تحت الأرض. وفي ظل الضغوط الاقتصادية لزيادة الإنتاج المحلي من الفحم لتقليل الاعتماد على الاستيراد، تندفع بعض الشركات المشغلة إلى زيادة ساعات العمل وإهمال صيانة شبكات التهوية والتبريد، وهو ما يفسر حدوث انفجارات الميثان الناتجة عن تراكم الغازات، ويجعل من دعوة الرئيس الصيني لـ "استخلاص الدروس" اختباراً حقيقياً لمدى حزم بكين في تقديم أرواح العمال على أرقام الإنتاج.

