كشفت التقارير المحاسبية الصادرة عن الهيئة الرقابية للموازنة الإسبانية مطلع هذا الشهر أن حكومة بيدرو سانشيز وظّفت اعتمادات مالية مرتبطة بـ "مرفق التعافي من كورونا " وهي "الخطة الاقتصادية الاوروبية الممولة جزئياً عبر الديون المشتركة" لتغطية جزء من مدفوعات معاشات التقاعد في اسبانيا في تشرين أول 2024.
وأشعل هذا الكشف فتيل عاصفة سياسية اسبانية أوروبية، أعادت إلى الواجهة سردية "الشمال الأوروبي التقشفي ضد الجنوب الأضعف"، ووضعت مدريد في عين المدفع قبيل مفاوضات الميزانية الأوروبية العسيرة.
نفي حكومي اسباني
ونفت الحكومة الإسبانية إساءة استخدام "يورو واحد" من الصناديق الأوروبية، معتبرة أن المسألة "محاسبية بحتة" جرى توظيفها سياسياً من قبل المعارضة بطريقة "عارية عن الصحة".
في هذا الصدد، أفاد مسؤول في مدريد اطلع بشكل مباشر على هيكلية صناديق الاتحاد الأوروبي لشبكة "يورونيوز"، بأن هناك "توظيفاً سياسياً" لمسألة تقنية بطريقة "عارية عن الصحة تماماً"، متهما المعارضة بممارسة ألعاب سياسية حول ما وصفه بـ "قضية محاسبية بحتة".
ورغم تأكيد مصادر في مدريد أن الملف أُغلق مع بروكسل بعد تقديم إيضاحات للمفاوضين الأوروبيين، إلا أن الضرر السياسي قد وقع بالفعل، ففي مدريد، طالب "الحزب الشعبي" المعارض بضروروة أن يمثل رئيس الوزراء بيدرو سانشيز سانشيز أمام البرلمان (الكونغرس) لتقديم إيضاحات. كما ألقت القضية بظلالها على البرلمان الأوروبي، وسط ردود فعل حادة من المشرّعين في المعسكر المحافظ.
و كتب توماش زديتشوفسكي (النائب التشيكي عن حزب الشعب الأوروبي)، وهو عضو بارز في لجنة الموازنة بالبرلمان الأوروبي، عبر منصة "إكس": "إذا تأكدت هذه المزاعم، فإننا نواجه سوء استغلال خطير لأموال دافعي الضرائب الأوروبيين.. لا يمكن لأوروبا التسامح مع أي إساءة استخدام لصناديق التعافي".
وفي السياق ذاته، تساءل ديرك غوتينك (النائب الهولندي عن حزب الشعب الأوروبي): "هل تُستخدم 10 مليارات يورو من أموال الاتحاد الأوروبي، المخصصة للتعافي من الجائحة، في الخفاء للمساعدة في دفع معاشات التقاعد الإسبانية؟ إن هذا من شأنه أن يؤكد أسوأ مخاوفنا بشأن هذه الصناديق".
"الإطار المالي" ومصير الديون المشتركة
تستعد بروكسل لإطلاق مفاوضات عسيرة بشأن "الإطار المالي متعدد السنوات" المقبل للفترة الممتدة (2028-2034) ، وتعد إسبانيا، التي تسلمت 60 مليار يورو ثاني أكبر مستفيد من صندوق التعافي الاوروبي البالغ قيمته 750 مليار يورو، من أشد المطالبين بتحويل آلية الاقتراض المشترك إلى أداة دائمة.
ويقود وزير المالية الاسباني كارلوس كويربو، جبهة تدعمها فرنسا لإنشاء آلية أصول آمنة تستفيد من التصنيف الائتماني الممتاز للمفوضية الأوروبية، بما يحقق وفورات سنوية تصل إلى 25 مليار يورو لجميع الأعضاء.
ووصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الدعوات الشمالية للمدفوعات المبكرة بـ "الغبية" داعياً لتمديد ديون جائحة كورونا، فيما جدد المستشار الألماني فريدريش ميرتس معارضة بلاده الصارمة لهندسة الديون المشتركة، تزامناً مع تمسك هولندا بجداول سداد صارمة واقتطاعات في الإنفاق.
توظيف المشكلة المالية
أشارت مصادر أوروبية إلى أنه في ظل عجز الحكومة الاسبانية عن إقرار موازنة لعام 2025 والاعتماد على تمديد موازنة 2023، فإن مسؤولين أوروبيين يعتبرون أن قضية المعاشات الإسبانية لم تعد تهدف لإصابة مدريد فحسب، بل تُشهر كـ "سلاح سياسي" فتاك بيد دول شمال الأوروبي للقبول مقترح تمديد الديون خلال قمة الاتحاد الأوروبي الحاسمة المرتقبة في حزيران المقبل.

