شباك النجومية الزائفة: كيف استدرج إبستين ضحاياه عبر "كشافي الأزياء"؟

شباك النجومية الزائفة: كيف استدرج إبستين ضحاياه عبر "كشافي الأزياء"؟

03 Jun 2026, 04:56
5 min read
شباك النجومية الزائفة: كيف استدرج إبستين ضحاياه عبر "كشافي الأزياء"؟

كشف تحقيق استقصائي مشترك قادته ثلاث مؤسسات إعلامية ألمانية بارزة، هي شبكتا "إن.دي.إير" (NDR) و"في.دي.إير" (WDR) العموميتان وصحيفة "زودويتشه تسايتونغ"، عن تحديد هويات ما لا يقل عن 19 امرأة أوروبية يعتقد أنهن وقعن ضحايا للجرائم الجنسية التي ارتكبها الملياردير الأمريكي الراحل جيفري إبستين.؜

ووفقا للتقرير الذي نشره موقع "تاغسشاو" (Tagesschau) التابع للقناة الألمانية الأولى في الثاني من حزيران 2026، ارتكزت هذه التحقيقات على تحليل معمق لملفات رسمية أزاحت عنها وزارة العدل الأمريكية الستار، إلى جانب حزمة من الوثائق الأخرى.؜

وأظهرت النتائج أن الخطة اعتمدت بشكل أساسي على استدراج الشابات وتغذية طموحاتهن بمستقبل مهني واعد في عالم الموضة والأزياء.؜ وتشير الأدلة المتاحة إلى أن خمسة أشخاص على الأقل عملوا لصالح إبستين في القارة الأوروبية تحت غطاء وظيفة "كشّافي المواهب"، حيث تولوا مهمة تجنيد الفتيات اللواتي تحول بعضهن لاحقا إلى ضحايا لاعتداءاته الجنسية.؜

 ؜

آلية الاصطياد:؜ خداع ينتهي بالوقوع في الفخ

أماطت التحقيقات اللثام عن أسلوب عمل متكرر ومنظم للشبكة، يتلخص في ثلاث مراحل متتالية:؜ الخداع، ثم خلق حالة من التبعية، وصولا إلى الاستغلال الجنسي الكامل.؜ وكان "كشّافو المواهب" التابعون لإبستين يتحركون في مختلف أنحاء أوروبا بحثا عن شابات يتمتعن بمظهر جذاب، ليعرضوا عليهن فرصا وهمية لتحقيق نجاح سريع وشهرة واسعة في مجال عرض الأزياء.؜

بناء على هذه الوعود، كانت المستهدفات يرسلن صورهن إلى هؤلاء الوسطاء، الذين يقومون بدورهم بتمريرها مباشرة إلى إبستين، ممتزجة تفاصيلها غالبا بمعلومات تشمل العمر والجنسية، وفي حال نالت الصور إعجابه، كان يُرتّب للمستهدفة لقاء تعارف أولي، إما عبر خدمة المحادثات المرئية "سكايب" أو بدعوتها لزيارة أحد مقار إقامته الفاخرة.؜

ومن بين الضحايا اللواتي كشف التحقيق عنهن، تبرز حالة فتاة رُمز إليها باسم مستعار هو "مارا"، وهي إحدى النساء اللواتي تمكن الصحفيون من اقتفاء أثرهن وتحديد هويتهن بسبب عدم شطب وإخفاء بعض بياناتها الشخصية بشكل كافٍ في ملفات وزارة العدل الأمريكية.؜

وتروي مارا، وهي في الأصل من دول أوروبا الشرقية، أنها كانت في أوائل العشرينيات من عمرها عندما اقترب منها رجل يُدعى "دانيال س." داخل صالون لتجميل الأظافر في إسبانيا، حيث أمطرها بعبارات المديح والثناء، وتحدث معها عن شبكة علاقاته الواسعة والمتشعبة في مجتمع الموضة والأزياء.؜

وتستذكر مارا تلك اللحظة قائلة:؜ "عندما سمعت حديثه، تملكني حماس شديد وجارف، لأنني كنت أحلم منذ صغري بأن أصبح عارضة أزياء".؜

 ؜

كواليس التجنيد:؜ وضع اليد على "الوسيط السويدي"

أظهرت التحقيقات الاستقصائية أن اسم "دانيال س."، وهو مواطن سويدي يتخذ من فرنسا مقرا لإقامته، ورد بشكل متكرر لقرابة 1800 مرة في وثائق وملفات وزارة العدل الأمريكية، حيث قام بمفرده بإرسال صور ما لا يقل عن 52 امرأة، معظمهن يحملن جنسيات أوروبية، إلى جيفري إبستين.؜

وكانت أعمار هؤلاء النساء تتراوح في الغالب بين 18 و23 عاما، في حين توضح الوثائق أن إحدى الضحايا على الأقل كانت دون سن الرشد (قاصرا) وقت وقوع الحادثة، ومع ذلك، لا تكشف الملفات المنشورة بصورة قاطعة عدد النساء اللواتي انتقلن إلى مرحلة التواصل المباشر مع إبستين بعد أن عرض دانيال س.؜ صورهن عليه.؜

وكان "دانيال س." هو الحلقة التي ربطت "مارا" بإبستين؛ فبعد محادثة تمهيدية جرت بينهما عبر تطبيق سكايب، تكفل إبستين بتمويل رحلة جوية للمجندة الجديدة إلى ولاية فلوريدا، وتولى بنفسه إنهاء إجراءات حصولها على تأشيرة الدخول، وتشير مارا إلى أنها كانت تعتقد واثقة، حتى تلك اللحظة، أن السفر كان بغرض إجراء مقابلة عمل رسمية في مجال عرض الأزياء.؜

بيد أن الموازين انقلبت تماما بمجرد لقائها بإبستين وجها لوجه؛ حيث بادهرها بالقول إن العمل كعارضة أزياء قد لا يكون المسار المهني المناسب لها، مشيرا إلى قدرته على تقديم المساعدة والدعم بطرق بديلة، وعرض عليها من ثمّ وظيفة كمساعدة شخصية له، ووفقا لرواية مارا، فإن ما تلا ذلك العرض كان عبارة عن سلسلة من الاعتداءات الجنسية المتكررة، وعلاقة تبعية قسرية دامت زهاء عامين كاملين.؜

وعلى الجانب الآخر، ظهر "دانيال س." في وقت سابق عبر مقطع فيديو نشره على منصة "إكس" (تويتر سابقا) ليدفع عن نفسه التهم، نافيا ارتكابه أي مخالفة قانونية، ومؤكدا أنه كان يمارس نشاطه ككشاف محترف لعارضات الأزياء، ولم يقدم النساء لإبستين إلا بصفتهن مرشحات محتملات للعمل في هذا المجال، كما شدد على أنه لم يكن على علم مطلقا بالجرائم والأنشطة الإجرامية التي كان يرتكبها إبستين آنذاك، ورغم قيامه بحذف مقطع الفيديو لاحقا، إلا أنه عاد وكرر الموقف الدفاعي ذاته في تصريحات أدلى بها لوسائل إعلام فرنسية.؜

 ؜

من إدانات فلوريدا إلى السجن في نيويورك

يُذكر أن جيفري إبستين كان اعترف أمام المحكمة في ولاية فلوريدا عام 2008 بتهمة استدراج فتاة قاصر لممارسة الدعارة، وهي الإدانة التي تمخض عنها اتفاق قضائي مثير للجدل ومنحته بموجبه عقوبة سجن قصيرة ومخففة.؜ وفي تموز 2019، أوقفته السلطات الفيدرالية مجددا لتوجه إليه تهمة الاتجار الجنسي بقاصرات، والاعتداء عليهن وتجنيدهن بين مدينتي نيويورك وفلوريدا.؜

ولم تستمر محاكمة الممول والمجرم الجنسي المثير للجدل؛ إذ عُثر عليه ميتا داخل زنزانته في سجن بنيويورك في آب 2019، في واقعة انتهى تقرير كبير الأطباء الشرعيين في المدينة إلى تصنيفها كحالة انتحار.؜

وعقب الإفراج عن الدفعة الأخيرة من ملفات إبستين هذا العام، شهدت الساحة الأمنية الأوروبية تحركا مكثفا؛ حيث أنشأت دول عدة، من بينها فرنسا وبولندا ولاتفيا، وحدات تحقيق جنائية خاصة لمكافحة شبكات الاتجار بالبشر وتتبع خيوط القضية.؜

وطبقا لمعلومات صادرة عن مكتب المدعي العام في باريس، فقد تقدمت نحو 20 امرأة في فرنسا بشكاوى قضائية رسمية تتعلق بملف إبستين، من بينهن مواطنة ألمانية فضلت عدم الكشف عن هويتها، وفي ظل استمرار التحقيقات، لا تزال الأرقام الحقيقية لأعداد النساء اللواتي جرى استدراجهن بوعود وهمية تحت ستار عروض الأزياء غير محددة بشكل نهائي.؜

اكتب تعليقًا

0 / 600

التعليقات (0)

ترتيب التعليقات →
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.