

توفي الفنان المصري الكبير هاني شاكر، أحد أبرز رموز الطرب العربي الحديث، بعد رحلة طويلة مع المرض انتهت في العاصمة الفرنسية باريس، وبرحيله يفقد العالم العربي واحدا من آخر الأصوات الكلاسيكية التي حافظت على المدرسة الرومانسية الطربية، وترك أثرا لا يُمحى في ذاكرة أجيال متعاقبة.
اللحظات الأخيرة في باريس
ونقل شاكر قبل أسابيع إلى مستشفى فوش في ضواحي باريس بعد تدهور حالته الصحية نتيجة أزمات حادة في القولون، حيث قرر الأطباء إجراء عملية استئصال كامل للقولون، ورغم أن الساعات الأولى بعد العملية حملت مؤشرات تحسن، إلا أن المضاعفات اللاحقة كانت أقوى من قدرة جسده على الاحتمال.
ودخل شاكر العناية المركزة وسط محاولات طبية مكثفة لإنقاذه، بينما فضلت أسرته إبقاء تفاصيل حالته بعيدا عن الإعلام احتراما لخصوصيته، ومع حلول ظهر الأحد، أعلن الأطباء وفاته، لينتشر الخبر سريعا عبر وسائل الإعلام، ويؤكده نجله شريف عبر منصات التواصل، ثم الفنانة نادية مصطفى بصفتها عضوا في مجلس نقابة المهن الموسيقية.
طفولة بسيطة وبداية لامعة
وُلد هاني عبد العزيز شاكر في القاهرة في 21 كانون الثاني 1952 لأسرة متوسطة؛ والده موظف في مصلحة الضرائب ووالدته موظفة في وزارة الصحة، منذ طفولته، كان محاطا بالموسيقى، وبرز صوته في الحفلات المدرسية، قبل أن يلفت انتباه الموسيقار محمد الموجي الذي تبناه فنيا وفتح له أبواب الاحتراف.
ظهر للمرة الأولى على الشاشة طفلا في فيلم "سيد درويش" عام 1966، مجسدا شخصية الموسيقار الراحل في صغره، في مشهد بقي محفورا في ذاكرة السينما المصرية، أما انطلاقته الحقيقية كمطرب فجاءت عام 1972 بأغنية "حلوة يا دنيا" التي شكلت بداية مسيرة طويلة ومضيئة.
مسيرة فنية تمتد 50 عاما
تميز هاني شاكر بلون غنائي رومانسي طربي جمع بين الرقة والقوة، وبين المدرسة الكلاسيكية وروح العصر، قدم خلال مسيرته أرشيفا ضخما تجاوز ستمئة أغنية، شكلت جزءا من الذاكرة العاطفية العربية، وكانت أغانيه حاضرة في وجدان العشاق وفي خلفية الأفراح والمناسبات، وفي ذاكرة جيل كامل تربى على صوته. وتعاون مع كبار الملحنين والشعراء، ونجح في الحفاظ على مكانته رغم التحولات الكبيرة التي شهدتها الساحة الموسيقية العربية.
النقيب الأكثر حضورا وإثارة للجدل
تولى شاكر منصب نقيب المهن الموسيقية في مصر عام 2015، في فترة شهدت تغيرات جذرية في الذوق العام وصعود موجة المهرجانات، عرف بمواقفه الصارمة تجاه ما اعتبره هبوطا فنيا، واتخذ قرارات بمنع عدد من مؤدي المهرجانات من الغناء، ما جعله في قلب جدل واسع بين مؤيد يرى أنه يدافع عن الذوق العام، ومعارض يعتبره يقف ضد التطور الموسيقي.
وحصد هاني شاكر خلال مسيرته عشرات الجوائز والأوسمة التي عكست مكانته في العالم العربي حيث نال وسام الاستحقاق التونسي من الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، وهو ثاني فنان يحصل عليه بعد فيروز، كما حصل على تكريمات من فلسطين تقديرا لمواقفه الداعمة، إضافة إلى جائزة "أيقونة الفن العربي" من مهرجان الزمن الجميل في لبنان عام 2022، إلى جانب تكريمات عديدة من مهرجانات عربية في مصر ولبنان والأردن والمغرب والإمارات وسوريا.
حياة شخصية مليئة بالمنعطفات
تزوج هاني شاكر من نهلة توفيق عام 1982، وأنجب منها شريف ودينا، وشكلت وفاة ابنته دينا عام 2011 بعد صراع مع السرطان واحدة من أقسى محطات حياته، إذ أثرت عليه نفسيا وفنيا، وابتعد لفترة عن الساحة قبل أن يعود تدريجيا ، كان معروفا بدماثة خلقه وهدوئه وابتعاده عن الصراعات الفنية، رغم أنه وجد نفسه في قلب بعضها بحكم موقعه النقابي.
وبرحيله يطوي العالم العربي صفحة من صفحات الطرب الرومانسي الأصيل، حيث ترك وراءه أرشيفا غنائيا ضخما، وحضورا نقابيا مؤثرا، وتاريخا من المواقف الفنية، وجمهورا واسعا يمتد من مصر إلى الخليج والمغرب العربي.

