
إسرائيل تشن غارات على الناقورة وتدمر مدارس في بنت جبيل

شهدت قرى وبلدات في جنوب لبنان تصعيداً ميدانياً وعسكرياً عنيفاً من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي اليوم الجمعة 17 تموز، تمثّل في شنّ سلسلة من الغارات الجوية العنيفة وتنفيذ عمليات نسف واسعة للمنازل والمرافق التعليمية، متزامنة مع تحركات سياسية ومفاوضات أمنية معقدة وشديدة الحساسية.
واستبقت إسرائيل جلسة المفاوضات العسكرية الافتراضية المقررة مع لبنان بتكثيف ضرباتها الميدانية للضغط على الوفد اللبناني، حيث أفادت تقارير واردة من جنوب لبنان بأن مسيرات وطائرات الاحتلال شنت غارات مكثفة استهدفت بلدات الناقورة، والمنصوري، وشوكين، وميفدون، بالإضافة إلى قصف مدفعي طال منطقة جل شهاب أسفل تلة علي الطاهر بقضاء النبطية.
وأدت ثلاث غارات نفذتها مسيّرة إسرائيلية على طريق الناقورة إلى سقوط جريح، بالتزامن مع قيام القوات الإسرائيلية بتنفيذ تفجير ضخم لنسف مبنى "مدارس المهدي" في منطقة صف الهوا بمدينة بنت جبيل، ونسف عدد من المنازل السكنية المحيطة بها، وتنفيذ تفجيرين آخرين في محيط بلدة كفرتبنيت، وتفجير عنيف آخر استهدف أطراف عيتا الجبل في بلدة حداثا.
تأجيل المفاوضات العسكرية
تأجلت جلسة المفاوضات العسكرية الافتراضية التي كان من المفترض انعقادها اليوم الجمعة عبر تقنية "زووم" بين الوفود العسكرية من لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، وعزت مصادر مطلعة أسباب التأجيل إلى مسائل تقنية وموضوعات البحث الشائكة، إضافة إلى فارق التوقيت بين بيروت وواشنطن.
وكانت الجلسة مخصصة لمناقشة الخطوات التنفيذية والترتيبات الأمنية المتعلقة بـ"المناطق التجريبية"، التي اقترح مبدئياً أن تشمل بلدات: الزوطرين الشرقية والغربية، وفرون، والغندورية، وقلاويه، وبرج قلاويه، وصريفا؛ وهي بلدات غير محتلة باستثناء الزوطر الشرقية التي يتمركز الاحتلال على أطرافها، والزوطر الغربية الخاضعة لسيطرته بالنار شمال نهر الليطاني.
وفي خطوة استباقية سيّر الجيش اللبناني دوريات مكثفة وأقام حواجز ونقاط مراقبة عسكرية في بلدات فرون، والغندورية، وقلاويه، وبرج قلاويه، وكفردونين، ووقعقعية الجسر، وصريفا، للتأكيد على أن هذه المناطق خاضعة لسيادة الدولة اللبنانية وليست تحت الاحتلال، معربا عن تفضيله بأن تكون المناطق التجريبية ضمن القرى المحتلة كلياً لتأمين عودة الأهالي النازحين إليها.
نقاط الخلاف الاستراتيجية والتعنت الإسرائيلي
تتمثل أبرز النقاط الخلافية التي يرفضها لبنان ويسعى الوفد العسكري اللبناني لتثبيتها في: الالتزام الصارم بوقف إطلاق النار، ورفض منح إسرائيل حرية الحركة أو دخول المنازل وتفتيشها، والالتزام بجدول زمني محدد للانسحاب التدريجي، حيث يرفض الجيش اللبناني التنسيق المباشر مع الاحتلال ويفضل التنسيق عبر "لجنة التنسيق العسكري" (MTC4L) بمراقبة القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم).
في المقابل، تماطل تل أبيب في تنفيذ أي انسحاب وتتعامل مع المنطقة الأمنية على الحدود كواقع دائم خاضع لسيطرتها، حيث كشفت صحيفة "معاريف" العبرية عن بدء الجيش الإسرائيلي بناء خط من المواقع والتحصينات الدائمة داخل الأراضي اللبنانية، وهو ما أكده وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس لنظيره الأمريكي بيت هيغسيث، مشدداً على عزم إسرائيل البقاء في "المناطق الأمنية" التي أنشأتها داخل لبنان وسورية وقطاع غزة لحماية حدودها.
ويتزامن هذا مع رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الضغوط الأمريكية لوضع جدول زمني للانسحاب خلال 6 أشهر، وسعيه بدلاً من ذلك للحصول على ضوء أخضر لتنفيذ عمليات عسكرية داخل عمق الجنوب اللبناني لتفكيك مواقع حزب الله وسحب سلاحه قبل تسليمها للجيش اللبناني، وهو ما يرفضه لبنان بشكل قاطع. كما يتقاطع هذا السلوك مع ما تفعله إسرائيل في جنوب سورية ورفضها الانسحاب إلى خط فض الاشتباك لعام 1974.
إحاطة أممية وزيارة مرتقبة لعون إلى البيت الأبيض
نفت العلاقات الإعلامية في حزب الله جملة وتفصيلاً الأخبار المنسوبة لمسؤوليه حول قضايا طُرحت أمام الرئيس اللبناني، مؤكدة ثبات موقف الحزب المعلن لجهة المشاركة في إسناد غزة ورفضه المطلق للمفاوضات المباشرة مع العدو الإسرائيلي.
وتتجه الأنظار اللبنانية حالياً نحو العاصمة الأمريكية واشنطن، حيث يستعد رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون لإجراء زيارة رسمية "سريعة" إلى البيت الأبيض للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ويبدي عون اطمئناناً لنتائج هذه الزيارة التي يهدف من خلالها إلى نقل شكوى لبنان من التعنت والعدوان الإسرائيلي، وانتزاع وعود بانسحاب إسرائيلي شامل، وبحث عقد مؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني.
وعلى الصعيد الدولي، قدم القائم بأعمال مكتب المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان، جان أرنو، ووكيل الأمين العام لعمليات السلام، جان بيير لاكروا، إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي بشأن تنفيذ القرار 1701، حذرا فيها من الدمار الواسع وحركة النزوح الكبيرة الناتجة عن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي وتصاعد الأعمال العدائية منذ 2 آذار، مؤكدين دعم الأمم المتحدة للإطار الثلاثي (لبنان، إسرائيل، أمريكا) المتفق عليه في 26 حزيران لخفض التوتر، ومشددين على أن الجيش اللبناني هو الركيزة الأساسية لبسط سلطة الدولة.
وفي سياق متصل، اقترح وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول دراسة تفويض قوة عسكرية تابعة للاتحاد الأوروبي في لبنان لتحل محل بعثة حفظ السلام الدولية (اليونيفيل) التي ينتهي تفويضها الحالي في 31 كانون الأول 2026، وذلك لمنع حدوث أي فراغ أمني في المنطقة، معتبراً أن لبنان بوجود حكومة مستقرة يمثل أحد أكثر التطورات المبشرة بالمنطقة.

